وجه النظم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى ﴿ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ قال في هذه الآية : ذلك التولي والإعراض إنما حصل بسبب أنهم قالوا : لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات، قال الجبائي : وفيها دلالة على بطلان قول من يقول : إن أهل النار يخرجون من النار، قال : لأنه لو صحّ ذلك في هذه الأمة لصح في سائر الأمم، ولو ثبت ذلك في سائر الأمم لما كان المخبر بذلك كاذباً، ولما استحق الذم، فلما ذكر الله تعالى ذلك في معرض الذم علمنا أن القول بخروج أهل النار قول باطل.
وأقول : كان من حقه أن لا يذكر مثل هذا الكلام، وذلك لأن مذهبه أن العفو حسن جائز من الله تعالى، وإذا كان كذلك لم يلزم من حصول العفو في هذه الأمة حصوله في سائر الأمم.
سلمنا أنه يلزم ذلك، لكن لم قلتم : إن القوم إنما استحقوا الذم على مجرد الإخبار بأن الفاسق يخرج من النار بل ههنا وجوه أُخر
الأول : لعلمهم استوجبوا الذم على أنهم قطعوا بأن مدة عذاب الفاسق قصيرة قليلة، فإنه روي أنهم كانوا يقولون : مدة عذابنا سبعة أيام، ومنهم من قال : بل أربعون ليلة على قدر مدة عبادة العجل
والثاني : أنهم كانوا يتساهلون في أصول الدين ويقولون بتقدير وقوع الخطأ منا فإن عذابنا قليل وهذا خطأ، لأن عندنا المخطىء في التوحيد والنبوّة والمعاد عذابه دائم، لأنه كافر، والكافر عذابه دائم
والثالث : أنهم لما قالوا ﴿لَن تَمَسَّنَا النار إِلا أَيَّامًا معدودات﴾ فقد استحقروا تكذيب محمد ﷺ واعتقدوا أنه لا تأثير له في تغليظ العقاب فكان ذلك تصريحاً بتكذيب محمد ﷺ وذلك كفر والكافر المصر على كفره لا شك أن عذابه مخلد، وإذا كان الأمر على ما ذكرناه ثبت أن احتجاج الجبائي بهذه الآية ضعيف وتمام الكلام على سبيل الاستقصاء مذكور في سورة البقرة. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٧ صـ ١٩٠﴾


الصفحة التالية
Icon