القول الثاني في تفسير هذه الآية : وهو قول أبي مسلم : أن المعنى أن زكريا عليه السلام لما طلب من الله تعالى آية تدله على حصول العلوق، قال آيتك أن لا تكلم، أي تصير مأموراً بأن لا تتكلم ثلاثة أيام بلياليها مع الخلق، أي تكون مشتغلاً بالذكر والتسبيح والتهليل معرضاً عن الخلق والدنيا شاكراً لله تعالى على إعطاء مثل هذه الموهبة، فإن كانت لك حاجة دل عليها بالرمز فإذا أمرت بهذه الطاعة فاعلم أنه قد حصل المطلوب، وهذا القول عندي حسن معقول، وأبو مسلم حسن الكلام في التفسير كثير الغوص على الدقائق واللطائف.
القول الثالث : روي عن قتادة أنه عليه الصلاة والسلام عوقب بذلك من حيث سأل الآية بعد بشارة الملائكة فأخذ لسانه وصير بحيث لا يقدر على الكلام. (١) أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٨ صـ ٣٦ ﴾
وقال السمرقندى وقد أجاد :
وقال بعضهم : لم يكن عقوبة، ولكن كانت كرامة له، حين جعلت له علامة لظهور الحبل، ومعجزة له. أ هـ ﴿بحر العلوم حـ ١ صـ ٢٣٧﴾
وقال القرطبى :
المعنى : تممّ النعمة بأن تجعل لي آية، وتكون تلك الآية زيادة نعمة وكرامة ؛ فقيل له :﴿ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ﴾ أي تمنع من الكلام ثلاث ليال ؛ دليل هذا القول قوله تعالى بعد بشرى الملائكة له :﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ﴾ [ مريم : ٩ ] أي أوجدتك بقدرتي فكذلك أوجد لك الولد.
واختار هذا القول النحاس وقال : قول قتادة إن زكريا عوقب بترك الكلام قول مرغوب عنه ؛ لأن الله عز وجل لم يخبرنا أنه أذنب ولا أنه نهاه عن هذا ؛ والقول فيه أن المعنى اجعل لي علامة تدل على كون الولد، إذ كان ذلك مغيباً عني. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٤ صـ ٨١﴾

____
(١) لا يخفى ما فى هذا القول من الفساد والبطلان وسيأتى الرد على هذا الوجه. والله أعلم.


الصفحة التالية
Icon