والوجه الثاني : في إبطال هذه المقالة أنكم تعترفون بأن اليهود أخذوه وصلبوه وتركوه حياً على الخشبة، وقد مزقوا ضلعه، وأنه كان يحتال في الهرب منهم، وفي الاختفاء عنهم، وحين عاملوه بتلك المعاملات أظهر الجزع الشديد، فإن كان إلها أو كان الإله حالاً فيه أو كان جزءاً من الإله حالاً فيه، فلم لم يدفعهم عن نفسه ؟ ولم لم يهلكهم بالكلية ؟ وأي حاجة به إلى إظهار الجزع منهم والاحتيال في الفرار منهم! وبالله أنني لأتعجب جداً! إن العاقل كيف يليق به أن يقول هذا القول ويعتقد صحته، فتكاد أن تكون بديهة العقل شاهدة بفساده.
والوجه الثالث : وهو أنه : إما أن يقال بأن الإله هو هذا الشخص الجسماني المشاهد، أو يقال حل الإله بكليته فيه، أو حل بعض الإله وجزء منه فيه والأقسام الثلاثة باطلة أما الأول : فلأن إله العالم لو كان هو ذلك الجسم، فحين قتله اليهود كان ذلك قولاً بأن اليهود قتلوا إله العالم، فكيف بقي العالم بعد ذلك من غير إله! ثم إن أشد الناس ذلاً ودناءة اليهود، فالإله الذي تقتله اليهود إله في غاية العجز! وأما الثاني : وهو أن الإله بكليته حل في هذا الجسم، فهو أيضاً فاسد، لأن الإله لم يكن جسماً ولا عرضاً امتنع حلوله في الجسم، وإن كان جسماً، فحينئذ يكون حلوله في جسم آخر عبارة عن اختلاط أجزاءه بأجزاء ذلك الجسم، وذلك يوجب وقوع التفرق في أجزاء ذلك الإله، وإن كان عرضاً كان محتاجاً إلى المحل، وكان الإله محتاجاً إلى غيره، وكل ذلك سخف، وأما الثالث : وهو أنه حل فيه بعض من أبعاض الإله، وجزء من أجزائه، فذلك أيضاً محال لأن ذلك الجزء إن كان معتبراً في الإلهية، فعند انفصاله عن الإله، وجب أن لا يبقى الإله إلها، وإن لم يكن معتبر في تحقق الإلهية، لم يكن جزأ من الإله، فثبت فساد هذه الأقسام، فكان قول النصارى باطلاً.


الصفحة التالية
Icon