قال الفخر : يعني ولم يُصرّح في أحد هذين الكتابين بأنه مطابقٌ لشريعة إبراهيم، فذكر التوراة والإنجيل على هذا نشرٌ بعد اللف : لأنّ أهل الكتاب شَمِل الفريقين، فذكر التوراة لإبطال قول اليهود، وذكرَ الإنجيل لإبطالِ قول النصارى، وذكر التوراة والإنجيل هنا لقصد جمع الفريقين في التخطئة، وإن كان المقصود بادىء ذي بدء هم النصارى الذين مَساقُ الكلام معهم.
والأظهر عندي في تأليف المحاجة ينتظم من مجموع قوله :﴿ وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ﴾ وقولِه :﴿ فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ﴾ وقولِه :﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ فيبطل بذلك دعواهم أنهم على دين إبراهيم، ودعواهم أنّ الإسلام ليس على دين إبراهيم، ويَثْبُتُ عليهم أنّ الإسلام على دين إبراهيم، وذلك أنّ قوله :﴿ وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ﴾ يدل على أنّ علمهم في الدين منحصر فيهما، وهما نزلا بعد إبراهيم فلا جائز أن يكونا عين صحف إبراهيم.
وقولُه :﴿ فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ﴾ يُبطل قولهم : إنّ الإسلام زاد على دين إبراهيم، ولا يدل على أنهم على دين إبراهيم ؛ لأنّ التوراة والإنجيل لم يَرد فيهما التصريح بذلك، وهذا هو الفارق بين انتساب الإسلام إلى إبراهيم وانتساب اليهودية والنصرانية إليه، فلا يقولون وكيف يُدّعَى أنّ الإسلام دين إبراهيم مع أنّ القرآن أنزل من بعد إبراهيم كما أنزلت التوراة والإنجيل من بعده.