وجملة لو يضلونكم مبينة لمضمون جملة ودّت، على طريقة الإجمال والتفصيل.
فلو شرطية مستعملة في التمنّي مجازاً لأنّ التمنّي من لوازم الشرط الامتناعي.
وجواب الشرط محذوف يدل عليه فعل وَدّت تقديره : لو يضلونكم لحصل مودودهم، والتحقيق أنّ التمنّي عارض من عوارض لَوْ الامتناعية في بعض المقامات.
وليس هو معنى أصلياً من معاني لو.
وقد تقدم نظير هذا في قوله تعالى :﴿ يَودّ أحدهم لو يعمّر ألف سنة ﴾ في سورة [ البقرة : ٩٦ ].
وقوله :﴿ لو يضلونكم ﴾ أي ودّوا إضلالكم وهو يحتمل أنهم ودّوا أن يجعلوهم على غير هدى في نظر أهل الكتاب : أي يذبذبوهم، ويحتمل أنّ المراد الإضلال في نفس الأمر، وإن كان وُدُّ أهل الكتاب أن يهوّدوهم.
وعلى الوجهين يحتمل قوله تعالى :﴿ وما يضلون إلا أنفسهم ﴾ أن يكون معناه : إنهم إذا أضلوا الناس فقد صاروا هم أيضاً ضالين ؛ لأنّ الإضلال ضلال، وأن يكون معناه : إنهم كانوا من قبل ضالين برضاهم بالبقاء على دين منسوخ وقوله :﴿ وما يشعرون ﴾ يناسب الاحتمالين لأنّ العلم بالحالتين دقيق. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٣ صـ ١٢٥ ـ ١٢٦﴾
وقال الطبرى :
يعني بقوله جل ثناؤه :"ودّت"، تمنت "طائفة"، يعني جماعة "من أهل الكتاب"، وهم أهل التوراة من اليهود، وأهل الإنجيل من النصارى "لو يضلُّونكم"، يقولون : لو يصدّونكم أيها المؤمنون، عن الإسلام، ويردُّونكم عنه إلى ما هم عليه من الكفر، فيهلكونكم بذلك.
و"الإضلال" في هذا الموضع، الإهلاكُ، من قول الله عز وجل :( وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) [سورة السجدة : ١٠]، يعني : إذا هلكنا، ومنه قول الأخطل في هجاء جرير :
كُنْتَ القَذَى فِي مَوْجِ أَكْدَرَ مُزْبِدٍ... قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلّ ضلالا
يعنى : هلك هلاكًا، وقول نابغة بني ذبيان :


الصفحة التالية
Icon