وقيل إنهم كانوا يقولون : إنَّ محمداً معترفٌ بأن موسى حَقٌّ، ثم إنّ التوراةَ دالة على أن شرع موسى لا ينسخ، وكل ذلك إلقاء للشبهات.
قوله :﴿ وَتَكْتُمُونَ الحق ﴾ جملة مُسْتَأنَفةٌ، ولذلك لم يُنْصَب بإضمار " أن " في جواب الاستفهام، وقد أجاز الزجاجُ - من البصريين - والفرّاءُ - من الكوفيين - فيه النصب - من حيث العربية - تسقط النون، فينتصب على الصرف عند الكوفيين، وبإضمار " أن " عند البصريين.
ومنع ذلك أبو علي الفارسيّ، وأنكَرَه، وقال : الاستفهام واقع على اللبس فحسب، وأما ﴿ يَكْتُمُونَ ﴾ فخبر حتم، لا يجوز فيه إلا الرفع. يعني أنه ليس معطوفاً على ﴿ تَلْبِسُونَ ﴾، بل هو استئناف، خَبَّر عنهم أنهم يكتمون الحقَّ مع علمهم أنه حَقٌّ.
ونقل ابو محمد بن عَطِيَّة عن أبي عليٍّ أنه قال : الصَّرْف - هنا - يَقْبُح، وكذلك إضمار " أن " لأن " تَكتُمُونَ " معطوف على موجب مقرَّر، وليس بمستفهَم عنه، وإنما استفهم عن السبب في اللبس، واللبس موجب، فليست الآيةُ بمنزلةِ قولهم : لا تأكل السمكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ، وليس بمنزلة قولك : أيقومُ فأقومَ ؟ والعطف على الموجب المقرَّر قبيح متى نصب - إلا في ضرورة الشعر - كما رُوِي :[ الوافر ]
.................................. وَأَلْحَقَ بِالْحِجَازِ فَأسْتَرِيحَا
قال سيبويه - في قولك : أسِرْتَ حتى تَدْخُلَهَا- : لا يجوز إلا النَّصْبُ في " تداخلها " لأن السير مستفهم عنه غيرُ موجَب، وإذا قلنا : أيهم سار حتى يدخلُها ؟ رفعت لأن السيرَ موجب والاستفهام إنما وقع عن غيره.