الحجة الثالثة : ما روي عن ابن عباس أنه قيل له إن أصحاب عبد الله يقرؤن ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ ونحن نقرأ ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين﴾ فقال ابن عباس رضي الله عنهما : إنما أخذ الله ميثاق النبيّين على قومهم.
الحجة الرابعة : أن هذا الاحتمال متأكد بقوله تعالى :﴿يابنى إسرائيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ وبقوله تعالى :﴿وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ [ آل عمران : ١٨٧ ] فهذا جملة ما قيل في هذا الموضوع، والله أعلم بمراده. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٨ صـ ١٠١ ـ ١٠٣﴾
قال الطبرى :
وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال : معنى ذلك : الخبرُ عن أخذ الله الميثاقَ من أنبيائه بتصديق بعضهم بعضًا، وأخذ الأنبياء على أممها وتُبَّاعها الميثاقَ بنحو الذي أخذَ عليها ربُّها من تصديق أنبياء الله ورسله بما جاءتها به لأن الأنبياء عليهم السلام بذلك أرسلت إلى أممها. ولم يدَّع أحدٌ ممن صدَّق المرسلين، أن نبيًّا أرسِل إلى أمة بتكذيب أحد من أنبياء الله عز وجل وحُجَجه في عباده بل كلها وإن كذب بعض الأمم بعض أنبياء الله، بجحودها نبوّته مقرّةٌ بأنّ من ثبتت صحّة نبوته، فعليها الدينونة بتصديقه. فذلك ميثاق مقرٌّ به جميعهم.
ولا معنى لقول من زعم أن الميثاق إنما أخذ على الأمم دون الأنبياء. لأن الله عز وجل قد أخبر أنه أخذ ذلك من النبيين، فسواءٌ قال قائل :"لم يأخذ ذلك منها ربها" أو قال :"لم يأمرها ببلاغ ما أرسلت"، وقد نصّ الله عز وجل أنه أمرها بتبليغه، لأنهما جميعًا خبرَان من الله عنها : أحدهما أنه أخذ منها، والآخر منهما أنه أمرَها. فإن جاز الشك في أحدهما، جازَ في الآخر.