ولما انخلعت القلوب بهذه الكروب نفّس عنها سبحانه وتعالى مشيراً إلى أن فيهم - وإن استبعد رجوعهم - موضعاً للرجاء بقوله :﴿إلا الذين تابوا﴾ أي رجعوا إلى ربهم متذكرين لإحسانه، ولما كان التائب لم يستغرق زمان ما بعد الإيمان بالكفر، وكانت التوبة مقبولة ولو قل زمنها أثبت الجار فقال :﴿من بعد ذلك﴾ الارتدار حيث تقبل التوبة ﴿وأصلحوا﴾ أي بالاستمرار على ما تقضيه من الثمرات الحسنة ﴿فإن الله﴾ أي الذي له الجلال والإكرام يغفر ذنوبهم لأن الله ﴿غفور﴾ يمحو الزلات ﴿رحيم﴾ بإعطاء المثوبات، هذه صفة لهم ولكل من تاب من ذنبه. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٢ صـ ١٢١ ـ ١٢٢﴾
وقال الفخر :
اعلم أنه تعالى لما عظم أمر الإسلام والإيمان بقوله ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الأخرة مِنَ الخاسرين﴾ [ آل عمران : ٨٥ ] أكد ذلك التعظيم بأن بيّن وعيد من ترك الإسلام، فقال :﴿كَيْفَ يَهْدِى الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم﴾. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٨ صـ ١١١﴾

فصل


قال الفخر :
في سبب النزول أقوال
الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت هذه الآية في عشرة رهط كانوا آمنوا ثم ارتدوا ولحقوا بمكة ثم أخذوا يتربصون به ريب المنون فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية، وكان فيهم من تاب فاستثنى التائب منهم بقوله ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ﴾
الثاني : نقل أيضاً عن ابن عباس أنه قال : نزلت في يهود قريظة والنضير ومن دان بدينهم كفروا بالنبي ﷺ بعد أن كانوا مؤمنين قبل مبعثه، وكانوا يشهدون له بالنبوّة، فلما بعث وجاءهم بالبينات والمعجزات كفروا بغياً وحسداً


الصفحة التالية
Icon