فقد أخرج البيهقي في "المدخل" عن القاسم بن محمد قال : اختلاف أصحاب محمد رحمة لعباد الله تعالى، وأخرجه ابن سعد في "طبقاته" بلفظ كان اختلاف أصحاب محمد رحمة للناس، وفي "المدخل" عن عمر بن عبد العزيز قال : ما سرني لو أن أصحاب محمد لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة، واعترض الإمام السبكي بأن اختلاف أمتي رحمة ليس معروفاً عند المحدثين ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع ولا أظن له أصلاً إلا أن يكون من كلام الناس بأن يكون أحد قال : اختلاف الأمة رحمة فأخذه بعضهم فظنه حديثاً فجعله من كلام النبوة وما زلت أعتقد أن هذا الحديث لا أصل له، واستدل على بطلانه بالآيات والأحاديث الصحيحة الناطقة بأن الرحمة تقتضي عدم الاختلاف والآيات أكثر من أن تحصى، ومن الأحاديث قوله ﷺ :" إنما هلكت بنو إسرائيل بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم " وقوله عليه الصلاة والسلام :" لا تختلفوا فتختلف قلوبكم " وهو وإن كان وارداً في تسوية الصفوف إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ثم قال : والذي نقطع به أن الاتفاق خير من الاختلاف وأن الاختلاف على ثلاثة أقسام. أحدها : في الأصول ولا شك أنه ضلال وسبب كل فساد وهو المشار إليه في القرآن، والثاني : في الآراء والحروب ويشير إليه قوله ﷺ لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى اليمن :"تطاوعا ولا تختلفا" ولا شك أيضاً أنه حرام لما فيه من تضييع المصالح الدينية والدنيوية، والثالث : في الفروع كالاختلاف في الحلال والحرام ونحوهما والذي نقطع به أن الاتفاق خير منه أيضاً لكن هل هو ضلال كالقسمين الأولين أم لا ؟ فيه خلاف، فكلام ابن حزم ومن سلك مسلكه ممن يمنع التقليد يقتضي الأول، وأما نحن فإنا نجوز التقليد للجاهل والأخذ عند الحاجة بالرخصة