وقال أبو السعود :
وقوله :﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين﴾ تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه، فإن تنكيرَ الظلم وتوجيهَ النفي إلى إرادته بصيغة المضارعِ دون نفسِه وتعليقَ الحكمِ بآحاد الجمعِ المعروفِ، والالتفات إلى الاسم الجليلِ إشعارٌ بعلة الحكمِ وبيانٌ لكمال نزاهتِه عز وجل عن الظلم بما لا مزيدَ عليه أي ما يريد فرداً من أفراد الظلم لفرد من أفراد العالمين في وقت من الأوقات فضلاً عن أن يظلِمَهم، فإن المضارعَ كما يفيد الاستمرارَ في الإثبات يفيده في النفي بحسب المقامِ كما أن الجملةَ الاسميةَ تدلُّ بمعرفة المقامِ على دوام الثبوتِ، وعند دخولِ حرفِ النفي تدل على دوامِ الانتفاءِ لا على انتفاء الدوامِ وفي سبك الجملةِ نوعُ إيماءٍ إلى التعريض بأن الكفرَةَ هم الظالمون ظلموا أنفسَهم بتعريضها للعذاب الخالد كما في قوله تعالى :﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. أ هـ ﴿تفسير أبى السعود حـ ٢ صـ ٧٠﴾
فائدة
قال ابن عادل :
قوله :﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ﴾ اللام - في " لِلْعَالَمِينَ " - زائدة - لا تعلُّق لها بشيء، زيدت في مفعول المصدر وهو ظلم والفاعل محذوف، وهو - في التقدير - ضمير الباري، والتقدير : وما الله يريد أن يظلم العالمين، فزيدت اللام، تقوية للعامل ؛ لكونه فرعاً، كقوله :﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [ البروج : ١٦ ]. أ هـ ﴿تفسير ابن عادل حـ ٥ صـ ٤٦١﴾
فائدة
قال الجصاص :
قَوْله تَعَالَى :﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ ؛ قَدْ اقْتَضَى ذَلِكَ نَفْيَ إرَادَةِ الظُّلْمِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَا يُرِيدُ هُوَ أَنْ يَظْلِمَهُمْ، وَلَا يُرِيدُ أَيْضًا ظُلْمَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي مَنْزِلَةِ الْقُبْحِ.
وَلَوْ جَازَ أَنْ يُرِيدَ ظُلْمَ بَعْضِهِمْ لَجَازَ أَنْ يُرِيدَ ظُلْمَهُ لَهُمْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْعُقُولِ بَيْنَ مَنْ أَرَادَ ظُلْمَ نَفْسِهِ لِغَيْرِهِ وَبَيْنَ مَنْ أَرَادَ ظُلْمَ إنْسَانٍ لِغَيْرِهِ، وَأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْقُبْحِ ؟ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إرَادَتُهُ لِلظُّلْمِ مُنْتَفِيَةً مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ. أ هـ ﴿أحكام القرآن للجصاص حـ ٢ صـ ٣٢١﴾