وإلى هذا ذهب محققو الصوفية، لكنه لا يستحق اسم التوكل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب والالتفات إليها بالقلوب ؛ فإنها لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضراً، بل السبب والمسبَّب فعل الله تعالى، والكل منه وبمشيئته ؛ ومتى وقع من المتوكِّل ركونٌ إلى تلك الأسباب فقد انسلخ عن ذلك الاسم.
ثم المتوكلون على حالين : الأوّل حال المتمَكِّن في التوكُّل فلا يلتفت إلى شيء من تلك الأسباب بقلبه، ولا يتعاطاه إلا بحكم الأمر.
الثاني حال غير المتَمكِّن وهو الذي يقع له الالتفات إلى تلك الأسباب أحياناً غير أنه يدفعها عن نفسه بالطرق العلمية، والبراهين القطعية، والأذواق الحالية ؛ فلا يزال كذلك إلى أن يُرَقِّيه الله بجوده إلى مقام المتوكلين المتمكنين، ويلحقه بدرجات العارفين. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٤ صـ ١٨٩ ـ ١٩٠﴾
" فوائد لغوية وإعرابية "
قال ابن عادل :
قوله :﴿ إِذْ هَمَّتْ ﴾ في هذا الظرف أوجه :
أحدها : أنه ظَرْف لـ ﴿ غَدَوْتَ ﴾.
الثاني : أنه بدل من ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ ﴾، فالعامل، فيه هو العامل في المُبْدَل منه.
الثالث : أنه ظرف لـ ﴿ تُبَوِّىءُ ﴾.
وهذه الأوجه تحتاج إلى نقل تاريخي في اتحاد الزمانين.
الرابع : أن الناصب له " عَليمٌ " وحده - ذكره أبو البقاء.
الخامس : أن العامل فيه إما " سَمِيعٌ "، وإما " عَلِيمٌ " على سبيل التنازع، وتكون المسألة - حينئذ - من إعمال الثاني، إذ لو أعمل الأول، لأضمر في الثاني.
قال الزمخشري : أو عمل فيه معنى :﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾.
قال أبو حيان :" وهذا غير محرَّر ؛ لأن العامل لا يكون مركباً من وصفين، فتحريره أن يقال : عمل فيه معنى سميع، أو عليم، وتكون المسألة من التنازع ".