وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا، قول من قال :"الإصرار"، الإقامة على الذنب عامدًا، وترك التوبة منه.
ولا معنى لقول من قال :"الإصرار على الذنب هو مواقعته"، لأن الله عز وجل مدح بترك الإصرار على الذنب مُواقع الذنب، فقال :"والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفرُ الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون"، ولو كان المواقع الذنب مصرًّا بمواقعته إياه، لم يكن للاستغفار وجه مفهوم. لأن الاستغفار من الذنب إنما هو التوبة منه والندم، ولا يعرف للاستغفار من ذنب لم يواقعه صاحبه، وجهٌ.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال :"ما أصرَّ من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة".
فلو كان مواقع الذنب مصرًّا، لم يكن لقوله"ما أصرَّ من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة"، معنى لأن مواقعةَ الذنب إذا كانت هي الإصرار، فلا يزيل الاسمَ الذي لزمه معنى غيره، كما لا يزيل عن الزاني اسم"زان" وعن القاتل اسم"قاتل"، توبته منه، ولا معنى غيرها. وقد أبان هذا الخبر أن المستغفر من ذنبه غير مصرٍّ عليه، فمعلوم بذلك أن"الإصرار" غير المواقعة، وأنه المقام عليه، على ما قلنا قبل. أ هـ ﴿تفسير الطبرى حـ ٧ صـ ٢٢٥ ـ ٢٢٦﴾. بتصرف يسير.
فائدة
قال الفخر :
اعلم أن قوله :﴿وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله﴾ جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، والتقدير : فاستغفروا لذنوبهم ولم يصروا على ما فعلوا. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٩ صـ ١٠﴾


الصفحة التالية
Icon