فصل


قال الفخر :
قال الواحدي رحمه الله : أجمعوا على أن معنى "كأين" كم، وتأويلها التكثير لعدد الأنبياء الذين هذه صفتهم، ونظيره قوله :﴿فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أهلكناها﴾ [ الحج : ٤٥ ] ﴿وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ [ الحج : ٤٨ ] والكافي في "كأين" كاف التشبيه دخلت على "أي" التي هي للاستفهام كما دخلت على "ذا" من "كذا" و"أن" من كأن، ولا معنى للتشبيه فيه كما لا معنى للتشبيه في كذا، تقول : لي عليه كذا وكذا : معناه لي عليه عدد ما، فلا معنى للتشبيه، إلا أنها زيادة لازمة لا يجوز حذفها، واعلم أنه لم يقع للتنوين صورة في الخط إلا في هذا الحرف خاصة، وكذا استعمال هذه الكلمة فصارت كلمة واحدة موضوعة للتكثير. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٩ صـ ٢٢﴾

فصل


قال الفخر :
واعلم أنه تعالى مدح هؤلاء الربيين بنوعين :
أولا بصفات النفي، وثانيا بصفات الإثبات، أما المدح بصفات النفي فهو قوله تعالى :﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ الله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا استكانوا﴾ ولا بد من الفرق بين هذه الأمور الثلاثة، قال صاحب "الكشاف" : ما وهنوا عند قتل النبي وما ضعفوا عن الجهاد بعده وما استكانوا للعدو، وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار، عند الإرجاف بقتل رسولهم، وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين، واستكانتهم للكفار حتى أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبدالله بن أُبَيّ، وطلب الأمان من أبي سفيان، ويحتمل أيضا أن يفسر الوهن باستيلاء الخوف عليهم، ويفسر الضعف بأن يضعف إيمانهم، وتقع الشكوك والشبهات في قلوبهم، والاستكانة هي الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم، وفيه وجه ثالث وهو أن الوهن ضعف يلحق القلب.


الصفحة التالية
Icon