وقال ابن عاشور :
﴿ أم ﴾ هنا منقطعة، هي بمعنى ( بل ) الانتقالية، لأنّ هذا الكلام انتقال من غرض إلى آخر، وهي إذا استعملت منقطعة تؤذن بأنّ ما بعدها استفهام، لملازمتها للاستفهام، حتَّى قال الزمخشري والمحقّقون : إنَّها لا تفارق الدلالة على الاستفهام بعدها، وقال غيره : ذلك هو الغالب وقد تفارقه، واستشهدوا على مفارقتها للاستفهام بشواهد تقبل التَّأويل.
فقوله :﴿ أم حسبتم ﴾ عطف على جملة ﴿ ولا تهنوا ﴾ [ آل عمران : ١٣٩ ] وذلك أنَّهم لمّا مسّهم القرح فحزنوا واعتراهم الوهن حيث لم يشاهدوا مثل النَّصر الَّذي شاهدوه يوم بدر، بيّن الله أنّ لا وجه للوهن للعلل الَّتي تقدّمت، ثُمّ بيّن لهم هنا : أن دخول الجنَّة الَّذي هو مرغوبهم لا يحصل إذا لم يبذلوا نفوسهم في نصر الدّين فإذا حسبوا دخول الجنَّة يحصل دون ذلك، فقد أخطأوا.
والاستفهام المقدّر بعد ( أم ) مستعمل في التَّغليط والنَّهي، ولذلك جاء ب ( أم ) للدلالة على التغليط : أي لا تحسبوا أن تدخلوا الجنَّة دون أن تجاهدوا وتصبروا على عواقب الجهاد. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٣ صـ ٢٣٣ ـ ٢٣٤﴾
وقال الآلوسى :
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة ﴾ خطاب للمنهزمين يوم أحد وهو كلام مستأنف ( سيق ) لبيان ما هي الغاية القصوى من المداولة والنتيجة لما ذكر من العلل الثلاث الأول، و﴿ أَمْ ﴾ منقطعة مقدرة ببل وهمزة الاستفهام الإنكاري، وكونها متصلة وعديلها مقدر تكلف، والإضراب عن التسلية ببيان العلل فيما لقوا من الشدة إلى تحقيق أنها من مبادىء الفوز بالمطلب الأسنى والمقام الأعلى، والمعنى بل لا ينبغي منكم أن تظنوا أنكم تدخلون الجنة وتفوزون بنعيمها وما أعد الله تعالى لعباده فيها. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٤ صـ ٧٠﴾