فقال الجمهور : حين ارتحل أبو سفيان من موضع الحرب، فقال رسول الله ﷺ لعلي وكان من المتحيزين إليه :" اذهب فانظر إلى القوم فإنْ كانوا جنبوا الخيل فهم ناهضون إلى مكة، وإن كانوا على خيلهم فهم عائدون إلى المدينة فاتقوا الله واصبروا " ووطنهم على القتال، فمضى علي ثم رجع فأخبر : أنهم جنبوا الخيل، وقعدوا على أثقالهم عجالاً، فأمن المؤمنون المصدقون رسول الله ﷺ، وألقى الله تعالى عليهم النعاس.
وبقي المنافقون الذين في قلوبهم مرض لا يصدقون، بل كان ظنهم أنّ أبا سفيان يؤم المدينة، فلم يقع على أحد منهم نوم، وإنما كان همهم في أحوالهم الدنيوية.
وثبت في البخاري من حديث أبي طلحة قال : غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه، وفي طريق رفعت رأسي فجعلت ما أرى أحداً من القوم إلا وهو يميل تحت جحفته.
وهذا يدل على أنهم غشيهم النعاس وهم في المصاف وسياق الآية والحديث الأول يدلان على خلاف ذلك.
قال تعالى ﴿ فأثابكم غماً بغم ﴾.
والغم كان بعد أن كسروا وتفرقوا عن مصافهم ورحل المشركون عنهم.
والجمع بين هذين القولين : أن المصاف الذي أخبر عنه أبو طلحة كان في الجبل بعد الكسرة، أشرف عليهم أبو سفيان من علو في الخيل الكثيرة، فرماهم من كان انحاز إلى الجبل من الصحابة بالحجارة، وأغنى هناك عمر حتى أنزلوهم، وما زالوا صافين حتى جاءهم خبر قريش أنهم عزموا على الرّحيل إلى مكة، فأنزل الله عليهم النعاس في ذلك الموطن، فأمنوا ولم يأمن المنافقون.
والفاعل بأنزل ضمير يعود على الله تعالى، وهو معطوف على فأثابكم.
وعليكم يدل على تجلل النعاس واستعلائه وغلبته، ونسبة الإنزال مجاز لأن حقيقته في الأجرام. أ هـ ﴿البحر المحيط حـ ٣ صـ ٩٢﴾


الصفحة التالية
Icon