وثانيها : أنه تعالى ذم البخل وعابه، ومنع التطوع لا يجوز أن يذم فاعله وأن يعاب به.
وثالثها : وهو أنه تعالى لا ينفك عن ترك التفضل لأنه لا نهاية لمقدوراته في التفضل، وكل ما يدخل في الوجود فهو متناه، فيكون لا محالة تاركا التفضل، فلو كان ترك التفضل بخلا لزم أن يكون الله تعالى موصوفا بالبخل لا محالة، تعالى الله عز وجل عنه علوا كبيرا.
ورابعها : قال عليه الصلاة والسلام :" وأي داء أدوأ من البخل " ومعلوم أن تارك التطوع لا يليق به هذا الوصف.
وخامسها : أنه كان لو تارك التفضل بخيلا لوجب فيمن يملك المال كله العظيم أن لا يتخلص من البخل إلا باخراج الكل.
وسادسها : أنه تعالى قال :﴿وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ﴾ [ البقرة : ٣ ] وكلمة "من" للتبعيض، فكان المراد من هذه الآية : الذين ينفقون بعض ما رزقهم الله، ثم إنه تعالى قال في صفتهم :﴿أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون﴾ [ البقرة : ٥ ] فوصفهم بالهدى والفلاح، ولو كان تارك التطوع بخيلا مذموما لما صح ذلك.
فثبت بهذه الآية أن البخل عبارة عن ترك الواجب، إلا أن الإنفاق الواجب أقسام كثيرة، منها انفاقه على نفسه وعلى أقاربه الذين يلزمه مؤنتهم، ومنها ما يتصل بأبواب الزكاة، ومنها ما إذا احتاج المسلمون إلى دفع عدو يقصد قتلهم ومالهم، فههنا يجب عليهم انفاق الأموال على من يدفعه عنهم، لأن ذلك يجري مجرى دفع الضرر عن النفس، ومنها إذا صار أحد من المسلمين مضطراً فإنه يجب عليه أن يدفع إليه مقدار ما يستبقي به رمقه، فكل هذه الاتفاقات من الواجبات وتركه من باب البخل، والله أعلم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٩ صـ ٩٢ ـ ٩٣﴾


الصفحة التالية
Icon