سؤال ثان : وهو أنا ذكرنا أن اسم اليتيم مختص بالصغير، فما دام يتيما لا يجوز دفع ماله إليه، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيما، فكيف قال :﴿وَءاتُواْ اليتامى أموالهم﴾ والجواب عنه على طريقين : الأول : أن نقول المراد من اليتامى الذين بلغوا أو كبروا ثم فيه وجهان : أحدهما : أنه تعالى سماهم يتامى على مقتضى أصل اللغة، والثاني : أنه تعالى سماهم باليتامى لقرب عهدهم باليتم وإن كان قد زال في هذا الوقت كقوله تعالى :﴿فَأُلْقِىَ السحرة ساجدين﴾ [ الأعراف : ١٢٠ ] أي الذين كانوا سحرة قبل السجود، وأيضاً سمى الله تعالى مقاربة انقضاء العدة، بلوغ الأجل في قوله :﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [ الطلاق : ٢ ] والمعنى مقاربة البلوغ، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية البالغون قوله تعالى :﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ﴾ [ النساء : ٦ ] والإشهاد لا يصح قبل البلوغ وإنما يصح بعد البلوغ.
الطريق الثاني : أن نقول : المراد باليتامى الصغار، وعلى هذا الطريق ففي الآية وجهان :
أحدهما : أن قوله :﴿وآتُواْ﴾ أمر، والأمر إنما يتناول المستقبل، فكان المعنى أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم أموالهم، وعلى هذا الوجه زالت المناقضة.
والثاني : المراد : وآتوا اليتامى حال كونهم يتامى ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم، والفائدة فيه أنه كان يجوز أن يظن أنه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال كونه صغيرا، فأباح الله تعالى ذلك، وفيه إشكال وهو أنه لو كان المراد ذلك لقال : وآتوهم من أموالهم، فلما أوجب إيتاءهم كل أموالهم سقط ذلك. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٩ صـ ١٣٧﴾