والقول الثاني : أن هذه الآية خطاب الآباء فنهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم، لما كان في ذلك من الافساد، فعلى هذا الوجه يكون إضافة الأموال إليهم حقيقة، وعلى هذا القول يكون الغرض من الآية الحث على حفظ المال والسعي في أن لا يضيع ولا يهلك، وذلك يدل على أنه ليس له أن يأكل جميع أمواله ويهلكها، وإذا قرب أجله فإنه يجب عليه أن يوصي بماله إلى أمين يحفظ ذلك المال على ورثته، وقد ذكرنا أن القول الأول أرجح لوجهين، ومما يدل على هذا الترجيح أن ظاهر النهي للتحريم، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله، وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم، وإذا كان كذلك وجب حمل الآية على القول الأول لا على هذا القول الثاني والله أعلم.
الثاني : أنه قال في آخر الآية :﴿وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ ولا شك أن هذه الوصية بالأيتام أشبه، لأن المرء مشفق بطبعه على ولده، فلا يقول له إلا المعروف، وإنما يحتاج إلى هذه الوصية مع الأيتام الأجانب، ولا يمتنع أيضا حمل الآية على كلا الوجهين.
قال القاضي : هذا بعيد لأنه يقتضي حمل قوله :﴿أموالكم﴾ على الحقيقة والمجاز جميعا، ويمكن أن يجاب عنه بأن قوله :﴿أموالكم﴾ يفيد كون تلك الأموال مختصة بهم اختصاصا يمكنه التصرف فيها، ثم إن هذا الاختصاص حاصل في المال الذي يكون مملوكا له، وفي المال الذي يكون مملوكا للصبي، إلا أنه يجب تصرفه، فهذا التفاوت واقع في مفهوم خارج من المفهوم المستفاد من قوله :﴿أموالكم﴾ وإذا كان كذلك لم يبعد حمل اللفظ عليهما من حيث أن اللفظ أفاد معنى واحدا مشتركا بينهما. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٩ صـ ١٤٩ ـ ١٥٠﴾


الصفحة التالية
Icon