أو أريد من عصيان الله ورسوله العصيان الأتمُّ وهو نبذ الإيمان، لأنّ القوم يومئذ كانوا قد دخلوا في الإيمان ونبذوا الكفر، فكانوا حريصين على العمل بوصايا الإسلام، فما يخالف ذلك إلاّ من كان غير ثابت الإيمان إلاّ من تاب.
ولعلّ قوله :﴿ وله عذاب مهين ﴾ تقسيم، لأنّ العصيان أنواع : منه ما يوجب الخلود، ومنه ما يوجب العذاب المهين، وقرينة ذلك أنّ عطف ﴿ وله عذاب مهين ﴾ على الخلود في النار لا يُحتاج إليه إذا لم يكن مراداً به التقسيم، فيضطرّ إلى جعله زيادةَ توكيد، أو تقول إنّ محط العطف هو وصفه بالمهين لأنّ العرب أباة الضيم، شمّ الأنوف، فقد يحذرون الإهانة أكثر ممّا يحذرون عذاب النار، ومن الأمثال المأثورة في حكاياتهم ( النار ولا العار ).
وفي كتاب "الآداب" في أعجاز أبياته "والحرّ يصبر خوف العار للنار". أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٤ صـ ٥٥﴾
سؤال : فإن قلت : كيف قطع للعاصي بالخلود في النار في هذه الآية وهل فيها دليل للمعتزلة على قولهم إن العصاة والفساق من أهل الإيمان يخلدون في النار ؟.
قلت : قال الضحاك المعصية هنا الشرك وروى عكرمة عن ابن عباس في معنى الآية من لم يرض بقسمة الله ويتعد ما قال الله يدخله ناراً وقال الكلبي : يكفر بقسمة المواريث ويتعد حدود الله استحلالاً إذا ثبت ذلك فمن رد حكم الله ولم يرض بقسمته كفر بذلك وإذا كفر كان حكمه حكم الكفار في الخلود في النار إذا لم يتب قبل وفاته إذا مات وهو مصر على ذلك كان مخلداً في النار بكفره فلا دليل في الآية للمعتزلة والله أعلم. أ هـ ﴿تفسير الخازن حـ ١ صـ ٤٩٥﴾
وقال محمد بن أبى بكر الرازى :
فإن قيل : كيف قطع على العاصى بالخلود فى النار بقوله :﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ؟
قلنا : أراد به : من يعص الله برد أحكامه وجحودها ؛ وذلك كفر ؛ والكافر يستحق الخلود فى النار. أ هـ ﴿تفسير الرازى صـ ٧٨﴾