ورابعها : أن هذا الكلام مبني على القول بالاحباط، وقد ذكرنا الوجوه الكثيرة في إبطال القول بالاحباط في سورة البقرة، فثبت أن هذا الذي ذهبت المعتزلة إليه في الفرق بين الصغيرة والكبيرة قول باطل وبالله التوفيق. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٠ صـ ٦٠ ـ ٦٢﴾
فصل
قال القرطبى :
لما نهى تعالى في هذه السورة عن آثامٍ هي كبائر، وعَدَ على اجتنابها التخفيف من الصغائر، ودلّ هذا على أن في الذنوب كبائرَ وصغائرَ.
وعلى هذا جماعة أهل التأويل وجماعة الفقهاء، وأن اللّمسة والنظرة تُكفَّر باجتناب الكبائر قَطْعاً بوعده الصدق وقوله الحق، لا أنه يجب عليه ذلك.
ونظير الكلام في هذا ما تقدّم بيانه في قبول التوبة في قوله تعالى :﴿ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله ﴾، فالله تعالى يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، لكن بضميمة أُخرى إلى الاجتناب وهي إقامة الفرائض.
روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ :" الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفِّراتٌ ما بينهنّ إذا اجتنب الكبائر " وروى أبو حاتم البُسْتيّ في صحيح مسنده عن " أبي هريرة وأبي سعيد الخُدْرِيّ أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر ثم قال :"والذي نفسي بيده" ثلاث مرات، ثم سكت فأكبّ كل رجل منا يبكي حزيناً ليَمين رسول الله ﷺ ثم قال :"ما من عبد يؤدّي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له ثمانية أبواب من الجنة يوم القيامة حتى إنها لتصفّق" ثم تلا ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ " فقد تعاضد الكتاب وصحيحُ السنة بتكفير الصغائر قطعاً كالنظر وشِبهه.
وبيّنت السنة أن المراد ب ﴿ تَجْتَنِبُواْ ﴾ ليس كلّ الاجتناب لجميع الكبائر. والله أعلم.