فإن قال من يطعن في القرآن من الزنادقة : كيف جاز أن يعذّب جلداً لم يَعصِه ؟ قيل له : ليس الجلد بمعذّب ولا معاقب، وإنما الألم واقع على النفوس ؛ لأنها هي التي تُحس وتعرف فتبديل الجلود زيادة في عذاب النفوس.
يدل عليه قوله تعالى :﴿ لِيَذُوقُواْ العذاب ﴾ وقوله تعالى :﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ [ الإسراء : ٩٧ ].
فالمقصود تعذيب الأبدان وإيلام الأرواح.
ولو أراد الجلود لقال : ليذقنّ العذاب مقاتل : تأكله النار كل يوم سبع مرات.
الحسن : سبعين ألف مرة كلما أكلتهم قيل لهم : عودوا فعادوا كما كانوا.
ابن عمر : إذا احترقوا بدّلت لهم جلود بيض كالقراطيس.
وقيل : عنى بالجلود السرابيل ؛ كما قال تعالى :﴿ وَتَرَى المجرمين يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد ﴾ [ إبراهيم : ٤٩ ] ﴿ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ ﴾ [ إبراهيم : ٥٠ ] سميت جلودا للزومها جلودهم على المجاورة ؛ كما يقال للشيء الخاص بالإنسان ؛ هو جِلدة ما بين عينْيه.
وأنشد ابن عمر رضي الله عنه :
يلومونني في سالمٍ وألومهم...
وجِلدةُ بَيْنَ العيْن والأنف سالمُ
فكلما احترقت السرابيل أُعيدت.
قال الشاعر :
كسا اللؤم تَيْماً خضرةً في جلودها...
فويلٌ لتَيْم مِن سرابيلها الخُضْرِ
فكنى عن الجلود بالسرابيل.
وقيل : المعنى أعدنا الجلد الأوّل جديداً ؛ كما تقول للصائغ : صُغ لي من هذا الخاتَم خاتماً غيره ؛ فيكسره ويصوغ لك منه خاتماً.
فالخاتم المصوغ هو الأوّل إلا أن الصياغة تغيرت والفضة واحدة.
وهذا كالنفس إذا صارت ترابا وصارت لا شيء ثم أحياها الله تعالى : وكعهدك بأخ لك صحيح ثم تراه بعد ذلك سقيماً مُدْنِفاً فتقول له : كيف أنت ؟ فيقول : أنا غير الذي عهدت.
فهو هو، ولكن حاله تغيرت.
فقول القائل : أنا غير الذي عهدت، وقوله تعالى :"غيرها" مجاز.


الصفحة التالية
Icon