فصل


قال الفخر :
قال أبو علي الجبائي : قد ثبت أن لفظ السيئة تارة يقع على البلية والمحنة، وتارة يقع على الذنب والمعصية، ثم إنه تعالى أضاف السيئة إلى نفسه في الآية الأولى بقوله :﴿قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله﴾ [ النساء : ٧٨ ] وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله :﴿وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ فلا بد من التوفيق بين هاتين الآيتين وإزالة التناقض عنهما، ولما كانت السيئة بمعنى البلاء والشدة مضافة إلى الله وجب أن تكون السيئة بمعنى المعصية مضافة إلى العبد حتى يزول التناقض بين هاتين الآيتين المتجاورتين، قال : وقد حمل المخالفون أنفسهم على تغيير الآية وقرؤا :﴿فَمَنْ نَفْسك﴾ فغيروا القرآن وسلكوا مثل طريقة الرافضة من ادعاء التغيير في القرآن.
فإن قيل : فلماذا فصل تعالى بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة وكلاهما فعل العبد عندكم ؟
قلنا : لأن الحسنة وإن كانت من فعل العبد فانما وصل إليها بتسهيله تعالى وألطافه فصحت الاضافة إليه، وأما السيئة التي هي من فعل العبد فهي غير مضافة إلى الله تعالى لا بأنه تعالى فعلها ولا بأنه أرادها، ولا بأنه أمر بها، ولا بأنه رغب فيها، فلا جرم انقطعت إضافة هذه السيئة من جميع الوجوه إلى الله تعالى.
هذا منتهى كلام الرجل في هذا الموضع.
ونحن نقول : هذه الآية دالة على أن الإيمان حصل بتخليق الله تعالى، والقوم لا يقولون به فصاروا محجوجين بالآية.
إنما قلنا : إن الآية دالة على ذلك لأن الإيمان حسنة، وكل حسنة فمن الله.


الصفحة التالية
Icon