الثاني : المقيت مشتق من القوت، يقال : قت الرجل إذا حفظت عليه نفسه بما يقوته، واسم ذلك الشيء هو القوت، وهو الذي لا فضل له على قدر الحفظ، فالمقيت هو الحفيظ الذي يعطي الشيء على قدر الحاجة، ثم قال القفال رحمه الله : وأي المعنيين كان فالتأويل صحيح، وهو أنه تعالى قادر على إيصال النصيب والكفل من الجزاء إلى الشافع مثل ما يوصله إلى المشفوع فيه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ولا ينتقص بسبب ما يصل إلى الشافع شيء من جزاء المشفوع، وعلى الوجه الثاني أنه تعالى حافظ الأشياء شاهد عليها لا يخفى عليه شيء من أحوالنا، فهو عالم بأن الشافع يشفع في حق أو في باطل حفيظ عليه فيجازى كلا بما علم منه. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٠ صـ ١٦٦﴾
وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً ﴾ "مقيتا" معناه مُقتدِراً ؛ ومنه قول الزبير بن عبد المطلب :
وذي ضِغْنٍ كففْتُ النفسَ عنه...
وكنتُ على مَساءته مُقِيتَا
أي قديراً.
فالمعنى إن الله تعالى يعطي كل إنسان قُوته ؛ ومنه قوله عليه السَّلام :" كفى بالمرء إثماً أن يُضَيّع من يَقيت " على من رواه هكذا، أي مَن هو تحت قدرته وفي قبضته من عيال وغيره ؛ ذكره ابن عطية.
يقول منه : قُتُّه أقوته قَوْتاً، وأَقَتُّه أقِيته أقاتة فأنا قائت ومُقيت.
وحكى الكسائي : أقات يقيت.
وأما قول الشاعر :
إنّي على الحساب مُقِيتُ...
فقال فيه الطبري : إنه من غير هذا المعنى المتقدم، وإنه بمعنى الموقوف.
وقال أبو عبيدة : المقيت الحافظ.
وقال الكسائي : المقيت المقتدر.
وقال النحاس : وقول أبي عبيدة أولى لأنه مشتق من القَوْت، والقوت معناه مقدار ما يحفظ الإنسان.
وقال الفراء : المقيت الذي يعطي كلّ رجلٍ قوته.
وجاء في الحديث :" كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يَقوت " و"يقيت" ذكره الثعلبي، وحكى ابن فارس في المُجْمَل : المقيت المقتدر، والمقيت الحافظ والشاهد، وما عنده قِيتُ ليلةٍ وقوت ليلة. والله أعلم. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٥ صـ ٢٩٦﴾.
لطيفة
قال الفخر :
إنما قال :﴿وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً﴾ تنبيها على أن كونه تعالى قادرا على المقدورات صفة كانت ثابتة له من الأزل، وليست صفة محدثة، فقوله :﴿كَانَ﴾ مطلقا من غير أن قيد ذلك بأنه كان من وقت كذا أو حال كذا، يدل على أنه كان حاصلا من الأزل إلى الأبد. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٠ صـ ١٦٦﴾


الصفحة التالية
Icon