قال القاضي أبو محمد رحمه الله : وأهل الحق يقولون لهم : هذا العموم منكسر غير ماض لوجهه من جهتين، إحداهما ما أنتم معنا مجمعون عليه من الرجل الذي بشهد عليه أو يقرأ بالقتل عمداً ويأتي السلطان أو الأولياء فيقام عليه الحد ويقتل قوداً، فهذا غير متبع في الآخرة، والوعيد غير نافذ عليه إجماعاً متركباً. على الحديث الصحيح من طريق عبادة بن الصامت، أنه من عوقب في الدنيا فهو كفارة له، وهذا نقض للعموم، والجهة الأخرى أن لفظ هذه الآية ليس بلفظ عموم، بل لفظ مشترك يقع كثيراً للخصوص، كقوله تعالى :﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ [ المائدة : ٤٤ ] وليس حكام المؤمنين إذا حكموا بغير الحق في أمر بكفرة بوجه، وكقول الشاعر [ زهير بن أبي سلمى ] :[ الطويل ]
وَمَنْ لا يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاَحِهِ... يُهَدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ
وهذا إنما معناه الخصوص، لأنه ليس كل من لا يظلم يظلم، فهذه جهة أخرى تدل على أن العموم غير مترتب، وما احتجوا به من قول زيد بن ثابت فليس كما ذكروه، وإنما أراد زيد أن هذه الآية نزلت بعد سورة الفرقان، ومراده باللينة قوله تعالى :﴿ ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴾ [ الفرقان : ٦٨ ]، وإن كان المهدوي قد حكى عنه أنه قال : أنزلت الآية ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ بعد قوله تعالى :﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ [ النساء : ٤٨ -١١٦ ] بأربعة أشهر فإذا دخله التخصيص، فالوجه أن هذه الآية مخصوصة في الكافر يقتل المؤمن، أما على ما روي أنها نزلت في شأن مقيس بن حبابة، حين قتل أخاه هشام بن حبابة رجل من الأنصار، فأخذ له رسول الله ﷺ الدية، ثم بعثه مع رجل من فهر بعد ذلك في أمر ما، فعدا عليه مقيس فقتله ورجع إلى مكة مرتداً، وجعل ينشد :[ الطويل ]


الصفحة التالية
Icon