وإنما سقط القتل عن هؤلاء لأجل أنهم كانوا في صدر الإسلام وتأوّلوا أنه قالها متعوذا وخوفا من السلاح، وأن العاصم قولُها مطمئنا، فأخبر النبي ﷺ أنه عاصم كيفما قالها، ولذلك قال لأسامة :" أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا " أخرجه مسلم.
أي تنظر أصادق هو في قوله أم كاذب ؟ وذلك لا يمكن، فلم يبق إلا أن يبين عنه لسانه.
وفي هذا من الفقه باب عظيم، وهو أن الأحكام تناط بالمظانّ والظواهر لا على القطع واطلاع السرائر.
فإن قال : سلام عليكم فلا ينبغي أن يقتل أيضاً حتى يعلم ما وراء هذا ؛ لأنه موضع إشكال.
وقد قال مالك في الكافر يوجد فيقول : جئت مستأمناً أطلب الأمان : هذه أمور مشكلة، وأرى أن يردّ إلى مأمنه ولا يحكم له بحكم الإسلام ؛ لأن الكفر قد ثبت له فلا بد أن يظهر منه ما يدل على قوله، ولا يكفي أن يقول أنا مسلم ولا أنا مؤمن ولا أن يصلي حتى يتكلم بالكلمة العاصمة التي علق النبي ﷺ الحكم بها عليه في قوله :" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ".
فإن صلى أو فعل فعلاً من خصائص الإسلام فقد اختلف فيه علماؤنا ؛ فقال ابن العربي : نرى أنه لا يكون بذلك مسلماً، أمّا أنه يقال له : ما وراء هذه الصلاة ؟ فإن قال : صلاة مسلم، قيل له : قل لا إله إلا الله ؛ فإن قالها تبين صدقه، وإن أبىّ علمنا أن ذلك تلاعُب، وكانت عند من يرى إسلامه رِدّة ؛ والصحيح أنه كفْرٌ أصلي ليس بردّة.
وكذلك هذا الذي قال : سلام عليكم، يكلف الكلمة ؛ فإن قالها تحقق رشاده، وإن أبى تبين عناده وقتل.
وهذا معنى قوله ﴿ فَتَبَيَّنُواْ ﴾ أي الأمر المشكل، أو "تثبتوا" ولا تعجلوا المعنيان سواء.
فإن قتله أحد فقد أتى منهياً عنه.


الصفحة التالية
Icon