فصل
قال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ ﴾ شرط وجوابه.
﴿ فِي الأرض مُرَاغَماً ﴾ اختلِف في تأويل المراغم ؛ فقال مجاهد : المراغَم المتزَحْزَح.
وقال ابن عباس والضحاك والربيع وغيرهم : المراغم المتحول والمذهب.
وقال ابن زيد : والمراغَم المهاجَر ؛ وقاله أبو عبيدة.
قال النحاس : فهذه الأقوال متفِقة المعاني.
فالمراغم المذهب والمتحوَّل في حال هجرة، وهو اسم الموضع الذي يُراغَم فيه، وهو مشتق من الرِّغام.
ورَغِم أنف فلان أي لَصِق بالتراب.
وراغمت فلاناً هجرته وعاديته، ولم أُبالِ إن رغِم أنفه.
وقيل : إنما سمي مهاجراً ومراغماً لأن الرجل كان إذا أسلم عادى قومه وهجرهم، فسمّي خروجه مُراغَماً، وسمّى مصيره إلى النبيّ ﷺ هجرة.
وقال السديّ : المراغم المبتغي للمعيشة.
وقال ابن القاسم : سمعت مالكاً يقول : المراغم الذهاب في الأرض.
وهذا كله تفسير بالمعنى، وكله قريب بعضه من بعض ؛ فأما الخاص باللفظة فإن المراغم موضع المراغمة كما ذكرنا، وهو أن يرغِم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده ؛ فكأن كفار قريش أرغموا أُنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أُنوف قريش لحصوله في منعة منهم، فتلك المنعة هي موضع المراغمة.
ومنه قول النابغة :
كطَوْدٍ يُلاذُ بِأركانِه...
عزِيزِ المُراغَمِ والْمَهْرَبِ. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٥ صـ ٣٤٧ ـ ٣٤٨﴾.