ولم يذكر حدّ السفر الذي يقع به القصر لا في القرآن ولا في السنة، وإنما كان كذلك لأنها كانت لفظة عربية مستَقِرٌّ علمُها عند العرب الذين خاطبهم الله تعالى بالقرآن ؛ فنحن نعلم قطعاً أن من برز عن الدور لبعض الأُمور أنه لا يكون مسافراً لغة ولا شرعاً، وإن مشى مسافراً ثلاثة أيام فإنه مسافر قطعاً.
كما أنا نحكم على أن من مشى يوماً وليلة كان مسافراً ؛ لقول النبيّ ﷺ :" لا يحِلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرةَ يوم إلا مع ذى مَحْرَم منها " وهذا هو الصحيح ؛ لأنه وسط بين الحالين وعليه عوّل مالك، ولكنه لم يجد هذا الحديث متّفَقاً عليه، ورُوي مرة :"يوماً وليلة" ومرة "ثلاثة أيام" فجاء إلى عبد الله بن عمر فعّول على فعله، فإنه كان يقصر الصلاة إلى رِئْم، وهي أربعة بُرُد ؛ لأن ابن عمر كان كثير الاقتداء بالنبيّ صلى الله عليه وسلم.
قال غيره : وكافة العلماء على أن القصر إنما شُرع تخفيفاً، وإنما يكون في السفر الطويل الذي تلحق به المشقة غالباً، فراعى مالك والشافعيّ وأصحابُهما والليث والأُوزاعِيّ وفقهاء أصحاب الحديث أحمد وإسحاق وغيرهما يوماً تاماً.
وقول مالك يوماً وليلة راجع إلى اليوم التام، لأنه لم يُرِد بقوله : مسيرة يوم وليلة أن يسير النهار كله والليل كله، وإنما أراد أن يسير سيراً يبيت فيه بعيداً عن أهله ولا يمكنه الرجوع إليهم.
وفي البخاري : وكان ابن عمر وابن عباس يُفطران ويَقصران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخاً، وهذا مذهب مالك.
وقال الشافعيّ والطبريّ : ستة وأربعون مِيلاً.
وعن مالك في العتبية فيمن خرج إلى ضَيعته على خمسة وأربعين مِيلاً قال : يقصر، وهو أمر متقارب.
وعن مالك في الكتب المنثورة : أنه يقصر في ستة وثلاثين مِيلاً، وهي تقرب من يوم وليلة.
وقال يحيى بن عمر : يعيد أبداً!.
ابن عبد الحكم : في الوقت!.