فالإقامة هنا الإتيان بالشيء قائماً أي تامّاً، على وجه التمثيل كقوله تعالى :﴿ وأقيموا الوزن بالقسط ﴾ [ الرحمن : ٩ ] وقوله :﴿ أنْ أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه ﴾ [ الشورى : ١٣ ].
وهذا قول جمهور الأئمة : مالك، والشافعي، وأحمد، وسفيان.
وقال أبو حنيفة وأصحابه : لاَ يؤدّي المجاهد الصلاة حتّى يزول الخَوف، لأنّه رأى مباشرة القتال فعلاً يفسد الصلاة.
وقوله تعالى :﴿ وإذا ضربتم في الأرض إلى قوله : فإذا اطمأننتم ﴾ [ النساء : ١٠١ ١٠٣ ] يرجْح قول الجمهور، لأنّ قوله تعالى :﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ﴾ مسوق مساق التعليل للحرص على أدائها في أوقاتها. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٤ صـ ٢٤٤﴾
قوله تعالى ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾
فصل
قال الفخر :
المراد بالكتاب هاهنا المكتوب كأنه قيل : مكتوبة موقوتة، ثم حذف الهاء من الموقوت كما جعل المصدر موضع المفعول والمصدر مذكر، ومعنى الموقوت أنها كتبت عليهم في أوقات موقتة، يقال : وقته ووقته مخففاً، وقريء ﴿وَإِذَا الرسل وقتت﴾ [ المرسلات : ١١ ] بالتخفيف.
واعلم أنه تعالى بيّن في هذه الآية أن وجوب الصلاة مقدّر بأوقات مخصوصة، إلا أنه تعالى أجمل ذكر الأوقات ههنا وبينها في سائر الآيات، وهي خمسة : أحدها : قوله تعالى ﴿حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [ البقرة : ٢٣٨ ] فقوله ﴿الصلوات﴾ يدل على وجوب صلوات ثلاثة، وقوله ﴿والصلاة الوسطى﴾ يمنع أن يكون أحد تلك الثلاثة وإلا لزم التكرار، فلا بدّ وأن تكون زائدة على الثلاثة ولا يجوز أن يكون الواجب أربعة، وإلا لم يحصل فيها وسطى، فلا بدّ من جعلها خمسة لتحصل الوسطى، وكما دلت هذه الآية على وجوب خمس صلوات دلت على عدم وجوب الوتر، وإلا لصارت الصلوات الواجبة ستة، فحينئذ لا تحصل الوسطى فهذه الآية دلّت على أن الواجب خمس صلوات إلا أنها غير دالة على بيان أوقاتها.