وزادهم تشجيعاً على طلب العدوّ بأنّ تَألّم الفريقين المتحاربين واحد، إذ كلٌ يخشى بأس الآخر، وبأنّ للمؤمنين مزية على الكافرين، وهي أنّهم يرجون من الله ما لا يرجوه الكفّار، وذلك رجاء الشهادة إن قتلوا، ورجاء ظهور دينه على أيديهم إذا انتصروا، ورجاء الثواب في الأحوال كلّها.
وقوله :﴿ من الله ﴾ متعلّق بـ ﴿ ترجون ﴾.
وحذف العائد المجرور بمن من جملة ﴿ ما لا يرجون ﴾ لدلالة حرف الجرّ الذي جُرّ به اسم الموصول عليه، ولك أن تجعل مَا صْدق ﴿ ما لا يرجون ﴾ هو النصر، فيكون وعداً للمسلمين بأنّ الله ناصرهم، وبشارة بأنّ المشركين لا يرجون لأنفسهم نصراً، وأنّهم آيسون منه بما قذف الله في قلوبهم من الرعب، وهذا ممّا يفتّ في ساعدهم.
وعلى هذا الوجه يكون قوله :﴿ من الله ﴾ اعتراضاً أو حالاً مقدّمة على المجرور بالحرف، والمعنى على هذا كقوله :﴿ ذلك بأنّ الله مولى الذين آمنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم ﴾ [ محمد : ١١ ]. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٤ صـ ٢٤٥﴾
قوله تعالى ﴿وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً﴾
قال الفخر :
﴿وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً﴾ أي لا يكلفكم شيئاً ولا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما هو عالم بأنه سبب لصلاحكم في دينكم ودنياكم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١١ صـ ٢٦﴾
وقال الطبرى :
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
يعني بذلك جل ثناؤه : ولم يزل الله"عليمًا" بمصالح خلقه"حكيمًا"، في تدبيره وتقديره. ومن علمه، أيها المؤمنون، بمصالحكم عرّفكم عند حضور صلاتكم وواجب فرض الله عليكم، وأنتم مواقفو عدوكم ما يكون به وصولكم إلى أداء فرض الله عليكم، والسلامة من عدوكم. ومن حكمته بصَّركم ما فيه تأييدكم وتوهينُ كيد عدوكم. أ هـ ﴿تفسير الطبرى حـ ٩ صـ ١٧٥﴾
وقال الآلوسى :
﴿ وَكَانَ الله عَلِيماً ﴾ مبالغاً في العلم فيعلم مصالحكم وأعمالكم ما تظهرون منها وما تسرون ﴿ حَكِيماً ﴾ فيما يأمر وينهى فجدوا في الامتثال لذلك فإن فيه عواقب حميدة وفوزاً بالمطلوب. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٥ صـ ١٣٨﴾