القول الثاني : أنه خطاب مع المسلمين، وأمانيهم أن يغفر لهم وإن ارتكبوا الكبائر، وليس الأمر كذلك، فإنه تعالى يخص بالعفو والرحمة من يشاء كما قال ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [ النساء : ١١٦ ] وروي أنه تفاخر المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب : نبيّنا قبل نبيّكم وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون : نبيّنا خاتم النبيّين، وكتابنا ناسخ الكتب، فأنزل الله تعالى هذه الآية. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١١ صـ ٤٢﴾
وقال القرطبى :
ومن أحسن ما روي في نزولها ما رواه الحكَم بن أبَان عن عِكرمة عن ابن عباس قال : قالت اليهود والنصارى لن يدخل الجنة إلاَّ من كان منّا.
وقالت قريش : ليس نبعث، فأنزل الله ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب ﴾.
وقال قتادة والسديّ : تفاخر المؤمنون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أحق بالله منكم.
وقال المؤمنون : نبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على سائر الكتب، فنزلت الآية. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٥ صـ ٣٩٦﴾.
فائدة
قال ابن عاشور :
بين أن كلّ من اتّبع هدى الله فهو من أهل الجنة وكلّ من ضلّ وخالف أمر الله فهو مجازى بسوء عمله، فالذين آمنوا من اليهود قبل بعثة عيسى وعملوا الصالحات هم من أهل الجنة وإن لم يكونوا على دين عيسى، فبطل قول النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا والذين آمنوا بموسى وعيسى قبل بعثه محمد ﷺ وعملوا الصالحات يدخلون الجنّة، فبطل قول المسلمين واليهود : لن يدخل الجنّة إلاّ من كان على ديننا فكانت هذه الآية حكماً فصلاً بين الفرق، وتعليماً لهم أن ينظروا في توفّر حقيقة الإيمان الصحيح، وتوفّر العمل الصالح معه، ولذلك جمع الله أماني الفرق الثلاث بقوله :﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾.


الصفحة التالية
Icon