وقال ابن عاشور :
كان قوله :﴿ إن يدعون ﴾ بياناً لقوله :﴿ فقد ضلّ ضلالاً بعيداً ﴾ [ النساء : ١١٦ ]، وأي ضلال أشدّ من أن يشرك أحد بالله غيرَه ثم أن يَدّعي أنّ شركاءه إناث، وقد علموا أنّ الأنثى أضعف الصنفين من كلّ نوع.
وأعجب من ذلك أن يَكون هذا صادراً من العرب، وقد علم الناس حال المرأة بينهم، وقد حَرَمُوها من حقوق كثيرة واستضعفوها.
فالحصر في قوله :﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ قصر ادّعائي لأنّه أعجبُ أحوال إشراكهم، ولأنّ أكبر آلهتهم يعتقدونها أنثى وهي : اللاّت، والعُزّى، ومَنَاة، فهذا كقولك لا عالم إلاّ زيد.
وكانت العزّى لقريش، وكانت مناة للأوس والخزرج، ولا يخفى أنّ معظم المعاندين للمسلمين يومئذ كانوا من هذين الحيّين : مشركو قريش هم أشدّ الناس عداء للإسلام : ومنافقوا المدينة ومشركوها أشدّ الناس فتنة في الإسلام. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٤ صـ ٢٥٦﴾
قوله تعالى ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً﴾

فصل


قال الفخر :
قال المفسرون : كان في كل واحد من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم، وقال الزجاج : المراد بالشيطان هاهنا إبليس بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ ولا شك أن قائل هذا القول هو إبليس، ولا يبعد أن الذي تراءى للسدنة هو إبليس، وأما المريد فهو المبالغ في العصيان الكامل في البعد من الطاعة ويقال له : مارد ومريد، قال الزجاج : يقال : حائط ممرد أي مملس، ويقال شجرة مرداء إذا تناثر ورقها، والذي لم تنبت له لحية يقال له أمرد لكون موضع اللحية أملس، فمن كان شديد البعد عن الطاعة يقال له مريد ومارد لأنه مملس عن طاعة الله لم يلتصق به من هذه الطاعة شيء. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١١ صـ ٣٧﴾


الصفحة التالية
Icon