قال السدّيّ : اختصم إلى النبيّ ﷺ غنيّ وفقير، فكان ضَلْعه صلى الله عليه وسلّم مع الفقير، ورأى أن الفقير لا يظلم الغنيّ ؛ فنزلت الآية. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٥ صـ ٤١٣﴾.
وقال ابن عاشور :
وقوله ﴿ إن يكن غنياً أو فقيراً ﴾ استئناف واقع موقع العلّة لمجموع جملة ﴿ كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ﴾ : أي إن يكن المُقْسَط في حقّه، أو المشهودُ له، غنيّاً أو فقيراً، فلا يكن غناه ولا فقره سبباً للقضاء له أو عليه والشهادة له أو عليه.
والمقصود من ذلك التحذير من التأثّر بأحوال يَلتبس فيها الباطل بالحقّ لما يحفّ بها من عوارض يتوهّم أنّ رعيها ضرب من إقامة المصالح، وحراسة العدالة، فلمّا أبطلت الآية التي قبلها التأثّر للحميّة أعقبت بهذه الآية لإبطال التأثّر بالمظاهر التي تستجلب النفوسَ إلى مراعاتها فيتمحّض نظرها إليها.
وتُغضي بسببها عن تمييز الحقّ من الباطل.
وتذهل عنه، فمن النفوس من يَتوهّم أنّ الغنى يربأ بصاحبه عن أخذ حقّ غيره، يقول في نفسه : هذا في غنية عن أكل حقّ غيره، وقد أنعم الله عليه بعدم الحاجة.
ومن الناس من يميل إلى الفقير رقّة له، فيحسبه مظلوماً، أو يحسب أنّ القضاء له بمال الغنيّ لا يضرّ الغنيّ شيئاً ؛ فنهاهم الله عن هذه التأثيرات بكلمة جامعة وهي قوله :﴿ إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما ﴾.
وهذا الترديد صالح لكلّ من أصحاب هذين التوهّمين، فالذي يعظّم الغنيّ يَدحض لأجله حقّ الفقير، والذي يَرقّ للفقير يَدحض لأجله حقّ الغنيّ، وكِلاَ ذلك باطل، فإنّ الذي يراعي حال الغنيّ والفقير ويقدّر إصلاح حال الفريقين هو الله تعالى.
فقوله :﴿ فالله أولى بهما ﴾ ليس هو الجواب، ولكنّه دليله وعلّته، والتقدير : فلا يهمّكم أمرهما عند التقاضي، فالله أولى بالنظر في شأنهما، وإنّما عليكم النظر في الحقّ.


الصفحة التالية
Icon