ثَانِيَتُهُمَا : أَنَّ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ بِذِكْرِهِ عَلَى مَسَامِعِ النَّاسِ يُؤَثِّرُ فِي نُفُوسِ السَّامِعِينَ تَأْثِيرًا ضارًّا ; فَإِنَّ النَّاسَ يَقْتَدِي بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَمَنْ سَمِعَ إِنْسَانًا يَذْكُرُ آخَرَ بِالسُّوءِ لِكُرْهِهِ إِيَّاهُ أَوِ اسْتِيَائِهِ مِنْهُ يُقَلِّدُهُ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ إِذَا كَانَ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ مِثْلُهُ، وَيَزْدَادُ ضَرَاوَةً فِيهِ إِذَا كَانَ قَدْ سَبَقَ وُقُوعُهُ مِنْهُ، أَوْ يُقَلِّدُ فَاعِلَ السُّوءِ فِي عَمَلِهِ، خُصُوصًا إِذَا كَانَ السَّامِعُ مِنَ الْأَحْدَاثِ الَّذِينَ يَغْلِبُ عَلَيْهِمُ التَّقْلِيدُ، أَوْ مِنْ طَبَقَةٍ دُونَ طَبَقَتِهِ فِي الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ ; لِأَنَّ عَامَّةَ النَّاسِ يُقَلِّدُونَ خَوَاصَّهُمْ، فَإِذَا ظَهَرَتِ الْمُنْكَرَاتُ فِي الْخَوَاصِّ لَا تَلْبَثُ أَنْ تَفْشُوَ فِي الْعَوَامِّ، وَمَنْ تَمِيلُ نَفْسُهُ إِلَى مُنْكَرٍ أَوْ فَاحِشَةٍ يَتَجَرَّأُ عَلَى ارْتِكَابِهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ لَهُ سَلَفًا وَقُدْوَةً فِيهِ، وَرُبَّمَا لَا يَتَجَرَّأُ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، بَلْ يُؤَثِّرُ سَمَاعُ الْقَوْلِ السُّوءِ فِي نُفُوسِ خَوَاصِّ الْكُهُولِ الْأَخْيَارِ، وَلَيْسَ تَأْثِيرُهُ مَقْصُورًا عَلَى الْعَوَامِّ وَالصِّغَارِ. فَسَمَاعُ السُّوءِ كَعَمَلِ السُّوءِ، ذَاكَ يُؤَثِّرُ فِي نَفْسِ السَّامِعِ، وَهَذَا يُؤَثِّرُ فِي نَفْسِ النَّاظِرِ، وَأَقَلُّ تَأْثِيرِهِ أَنَّهُ يُضْعِفُ فِي النَّفْسِ اسْتِبْشَاعَهُ وَاسْتِغْرَابَهُ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا تَكَرَّرَ سَمَاعُ خَبَرِهِ أَوِ النَّظَرُ إِلَيْهِ، وَإِنَّنَا نَرَى عُلَمَاءَ التَّرْبِيَةِ يَجْعَلُونَ جَمِيعَ كُتُبِ التَّعْلِيمِ غُفْلًا مِنَ الْقَوْلِ السُّوءِ وَالْكَلِمِ الْخَبِيثِ وَمِنَ الرَّفَثِ وَأَسْمَاءِ