وأتي في جملة البدل بلفظ جامع للمبدل منه وما عطف عليه : لأنّ نقض الميثاق، والكفر، وقتل الأنبياء، وقولهم قلوبنا غلف، وقولهم على مريم بهتاناً، وقولهم قتلنا عيسى : كلّ ذلك ظلم.
فكانت الجملة الأخيرة بمنزلة الفذلكة لما تقدّم، كأنَّه قيل : فبذلك كلّه حرّمنا عليهم، لكن عدل إلى لفظ الظلم لأنّه أحسن تفنّناً، وأكثر فائدة من الإتيان باسم الإشارة.
وقد مرّ بيان ذلك قريباً عند قوله تعالى :﴿ فبما نقضهم ﴾ [ النساء : ١٥٥ ].
ويجوز أن يكون ظلماً آخر أجْملَهُ القرآن.
وتنكير ( ظلم ) للتعظيم، والعدولُ عن أن يقول "فبظلمهم"، حتّى تأتي الضمائر متتابعة من قوله :﴿ فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم ﴾ إلى آخره، إلى الاسم الظاهر وهو ﴿ الَّذين هادوا ﴾ لأجل بعد الضمير في الجملة المبدل منها : وهي ﴿ فبما نقضهم ﴾ [ النساء : ١٥٥ ].
ولأنّ في الموصول وصلته ما يقتضي التنزّه عن الظلم لو كانوا كما وصفوا أنفسهم، فقالوا :﴿ إنّا هدنا إليك ﴾ [ الأعراف : ١٥٦ ] ؛ فصدور الظلم عن الذين هادوا محلّ استغراب.
والآية اقتضت : أنّ تحريم ما حرّم عليهم إنَّما كان عقاباً لهم، وأنّ تلك المحرّمات ليس فيها من المفاسد ما يتقضي تحريم تناولها، وإلاّ لحُرمّت عليهم من أوّل مجيء الشريعة.
وقد قيل : إنّ المراد بهذه الطيّبات هو ما ذكر في قوله تعالى :﴿ وعلى الذين هادوا حرّمنا كلّ ذي ظُفر ومن البقر والغنم حرّمنا عليهم شحومهما إلى قوله ذلك جزيناهم ببغيهم ﴾ في سورة الأنعام ( ١٤٦ )، فهذا هو الجزاء على ظلمهم.
نقل الفخر في آية سورة الأنعام عن عبد الجبّار أنَّه قال : نفس التحريم لا يجوز أن يكون عقوبة على جرم صدر منهم لأنّ التكليف تعريض للثواب، والتعريض للثواب إحسان، فلم يُجِز أن يكون التكليف جزاء على الجرم.
قال الفخر : والجواب أنّ المنع من الانتفاع يمكن أن يكون لقصد استحقاق الثواب ويمكن أن يكون للجرم.