ولما نقلهم من الحيثية التي كانوا فيها عبيداً لفرعون، لا يصلحون معها لملك، ولا تحدثهم أنفسهم به، إلى حيثية الحرية القابلة لأن يكون كل منهم معها ملكاً بعد أن أرسل فيهم رسولاً وبشر بأنه يتبعه من الأنبياء ما لم يكن في أمة من الأمم غيرهم، قال :﴿وجعلكم ملوكاً﴾ أي فكما جعلكم كذلك بعد ما كنتم غير طامعين في شيء منه، فقد نقله منكم وجعله في غيركم بتلك القدرة التي أنعم عليكم بها، وذلك لكفركم بالنعم وإيثاركم الجهل على العلم، فإنكاركم لذلك وتخصيص النعم بكم تحكم وترجيح بلا مرجح، ويوضح ذلك أن كفر النعمة سبب لزوالها، وقد كانوا يهددون في التوراة وغيرها بما هم فيه الآن من ضرب الذلة والمسكنة التي لا يصلحون معها لملك إن هم كفروا - كما سيأتي بعض ذلك في هذه السورة.
ولما ذكرهم تعالى بما ذكرهم به من النعم العامة، أتبعه التذكير بنعمة خاصة فقال :﴿وآتاكم ما لم يؤت﴾ أي في زمانكم ولا فيما قبله من سالف الزمان - كما اقتضاه التعبير بلم ﴿أحداً من العالمين﴾ من الآيات التي أظهرها على يد موسى عليه السلام، فأخرجكم بها من الظلمات إلى النور، والكتاب الذي جعله تبياناً لكل شيء. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٢ صـ ٤٢٣ ـ ٤٢٤﴾
وقال الفخر :
اعلم أن وجه الاتصال هو أن الواو في قوله ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ﴾ واو عطف، وهو متصل بقوله ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسراءيل﴾ [ المائدة : ١٢ ] كأنه قيل : أخذ عليهم الميثاق وذكرهم موسى نعم الله تعالى وأمرهم بمحاربة الجبارين فخالفوا في القول في الميثاق، وخالفوه في محاربة الجبارين. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١١ صـ ١٥٥﴾