والنوع الثالث : من النعم التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية قوله ﴿وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين﴾ وذلك لأنه تعالى خصهم بأنواع عظيمة من الإكرام : أحدها : أنه تعالى فلق البحر لهم، وثانيها : أنه أهلك عدوهم وأورثهم أموالهم، وثالثها : أنه أنزل عليهم المن والسلوى، ورابعها : أنه أخرج لهم المياه العذبة من الحجر، وخامسها : أنه تعالى أظلل فوقهم الغمام، وسادسها : أنه لم يجتمع لقوم الملك والنبوّة كما جمع لهم، وسابعها : أنهم في تلك الأيام كانوا هم العلماء بالله وهم أحباب الله وأنصار دينه.
واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكرهم هذه النعمة وشرحها لهم أمرهم بعد ذلك بمجاهدة العدو. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١١ صـ ١٥٥ ـ ١٥٦﴾
وقال الثعلبى :
﴿ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾
اختلفوا في معنى الملوك.
فروى أبو الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه ﷺ قال :" كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكاً ".
وقال ابن عباس ومجاهد والحسن والحكم : من كان له بيت وخادم وامرأة فهو ملك.
وقال أبو عبد الرحمن : قال : سمعت عبد اللّه بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال : ألسنا من فقداء المهاجرين؟ فقال له عبد اللّه : ألك إمرأة تأوي إليها؟ قال : نعم. قال : ألك مسكن تسكنه؟ قال نعم، قال : فأنت من الأغنياء، قال : إنّ لي خادماً ومالاً. قال : فأنت من الملوك.
وروى أبو عبلة عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال : قال رسول اللّه ﷺ :" من أصبح معافى في بدنه آمناً في سربه وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، يابن جعشم يكفيك منها ما يسدّ جوعك ويواري عورتك فإن كان بيت يواريك فذاك، وإن كان دابة تركبها فبخ، فلق الخبز وماء البحر وما فوق ذلك حساب عليك ".