وهذا قول السدّي يدل عليه. وروى الشعبي أنّ حارثة بن يزيد خرج محارباً في عهد علي ابن أبي طالب ( رضي الله عنه ) فأخاف السبل وسفك الدّماء وأخذ الأموال ثم جاء تائباً من قبل أن يقدر عليه فأتى الحسن بن علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه ) فطلب إليه أن يستأمن له فأتى ابن جعفر فأتى عليه فأتى سعيد بن قيس الهمدالي فقبّله وضمّه إليه فلمّا صلّى علي ( رضي الله عنه ) الغداة أتاه سعيد بن قيس. فقال : يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله؟ قال : أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض قال : ما تقول فيمن تاب قبل أن تقدر عليه فقال أقول : كما قال اللّه عز وجل ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ الآية.
فقال سعيد : وإن كان حارثة بن بدر، قال : نعم فجاء إليه فبايعه وآمنه وكتب له أماناً منشوراً.
فقال حارثة :
ألا أبلغا همدان إما لقيتها | على النأي لا يسلم عدوٌ يعيبها |
لعمر أبيها إن همدان تتقي إلا | له ويقضي بالكتاب خطيبها |
وروى الليث بن سعيد عن محمد بن إسحاق أن علياً الأسدي حارب وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال فطلبته الأئمّة والعامّة فامتنع ولم يقدر عليه حتى جاء تائباً وذلك أنّه سمع رجلاً يقرأ هذه الآية ﴿ قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ ﴾ [ الزمر : ٥٣ ] الآية فوقف عليه، فقال : يا عبد اللّه أعد فأعادها عليه فغمد سيفه ثم جاء تائباً حتى قدم المدينة من السَحر ثم اغتسل وأتى مسجد رسول اللّه ﷺ فصلّى الصبح ثم مضى إلى أبي هريرة وهو في غمار أصحابه فلما استغفر عرفه الناس فقاموا إليه، فقال : لا سبيل لكم عليّ جئت تائباً من قبل أن تقدروا عليَّ.
فقال أبو هريرة : صدق، وأخذ بيده حتى أتى مروان بن الحكم في إمرته على المدينة في زمن معاوية، فقال : هذا عليّ جاء تائباً ولا سبيل لكم عليه فترك، وخرج عليّ تائباً مجاهداً في سبيل اللّه في البحر فلقوا الروم فقربوا سفينة إلى سفينته من سفنهم فاقتحم على الروم في سفينتهم فهربوا إلى شقها الآخر فمالت ثم أوقعهم فغرقوا جميعاً. أ هـ ﴿الكشف والبيان حـ ٤ صـ ﴾