إذا عرفت هذا فنقول : إن الترك والفعل أمران معتبران في ظاهر الأفعال، فالذي يجب تركه هو المحرمات، والذي يجب فعله هو الواجبات، ومعتبران أيضاً في الأخلاق، فالذي يجب حصوله هو الأخلاق الفاضلة، والذي يجب تركه هو الأخلاق الذميمة، ومعتبران أيضاً في الأفكار فالذي يجب فعله هو التفكر في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوّة والمعاد، والذي يجب تركه هو الالتفات إلى الشبهات، ومعتبران أيضاً في مقام التجلي، فالفعل هو الاستغراق في الله تعالى، والترك هو الالتفات إلى غير الله تعالى : وأهل الرياضة يسمون الفعل والترك بالتحلية والتخلية، وبالمحو والصحو، وبالنفي والاثبات، وبالفناء والبقاء، وفي جميع المقامات النفي مقدم على الإثبات، ولذلك كان قولنا "لا إله إلاّ الله" النفي مقدم فيه إلى الإثبات. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١١ صـ ١٧٤﴾

فصل


قال الفخر :
الوسيلة فعيلة، من وسل إليه إذا تقرب إليه.
قال لبيد الشاعر :
أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم.. ألاكل ذي لب إلى الله واسل
أي متوسل، فالوسيلة هي التي يتوسل بها إلى المقصود.
قالت التعليمية : دلت الآية على أنه لا سبيل إلى الله تعالى إلا بمعلم يعلمنا معرفته، ومرشد يرشدنا إلى العلم به، وذلك لأنه أمر بطلب الوسيلة إليه مطلقاً، والإيمان به من أعظم المطالب وأشرف المقاصد، فلا بدّ فيه من الوسيلة.
وجوابنا : أنه تعالى إنما أمر بابتغاء الوسيلة إليه بعد الإيمان به، والإيمان به عبارة عن المعرفة به فكان هذا أمراً بابتغاء الوسيلة إليه بعد الإيمان وبعد معرفته، فيمتنع أن يكون هذا أمراً بطلب الوسيلة إليه في معرفته، فكان المراد طلب الوسيلة إليه في تحصيل مرضاته وذلك بالعبادات والطاعات. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١١ صـ ١٧٤﴾


الصفحة التالية
Icon