والتعبير بيقتلون مع أن الظاهر قتلوا ككذبوا لاستحضار الحال الماضية من أسلافهم للتعجيب منها ولم يقصد ذلك في التكذيب لمزيد الاهتمام بالقتل، وفي ذلك أيضاً رعاية الفواصل، وعلل بعضهم التعبير بصيغة المضارع فيه، بالتنبيه على أن ذلك ديدنهم المستمر فهم بعد يحومون حول قتل رسول الله ﷺ، واقتصر البعض على قصد حكاية الحال لقرينة ضمائر الغيبة، وتقدم ﴿ فَرِيقاً ﴾ في الموضعين للاهتمام وتشويق السامع إلى ما فعلوا به لا للقصر. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٦ صـ ﴾
وقال ابن عاشور :
﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
استئناف عاد به الكلام على أحوال اليهود وجراءتهم على الله وعلى رسله.
وذلك تعريض باليأس من هديهم بما جاء به محمّد ﷺ وبأنّ ما قابلوا به دعوته ليس بدعاً منهم بل ذلك دأبهم جيلاً بعد جيل.
وقد تقدّم الكلام على أخذ الميثاق على اليهود غير مرّة.
أُولاها في سورة البقرة ( ٨٣ ).
والرسل الّذين أرسلوا إليهم هم موسى وهارون ومن جاء بعدهما مثل يوشع بن نون وأشعيا وأرْميا وحزقيال وداوود وعيسى.
فالمراد بالرّسل هنا الأنبياء : من جاء منهم بشرع وكتاب، مثل موسى وداوود وعيسى، ومن جاء معزّزاً للشّرع مبيّنا له، مثل يوشع وأشعيا وأرميا.
وإطلاق الرّسول على النّبيء الّذي لم يجىء بشريعة إطلاق شائع في القرآن كما تقدّم، لأنّه لمَّا ذكر أنّهم قَتَلوا فريقاً من الرسل تعيَّن تأويل الرسل بالأنبياء فإنّهم ما قتلوا إلاّ أنبياء لا رسلاً.
وقوله :﴿ كلّما جاءهم رسول بما لا تهوَى أنفسهم فريقاً كذّبوا ﴾ إلخ انتصب ﴿ كلّما ﴾ على الظرفيّة، لأنّه دالّ على استغراق أزمنة مَجيء الرسل إليهم فيدلّ على استغراق الرسل تبعاً لاستغراق أزمنة مجيئهم، إذْ استغراق أزمنة وجود شَيْء يستلزم استغراق أفراد ذلك الشيء، فما ظرفية مصدريّة دالّة على الزّمان.


الصفحة التالية
Icon