فالغلوّ الزّيادة في عَمل على المتعارف منه بحسب العقل أو العادة أو الشرع.
وقوله :﴿ غيرَ الحقّ ﴾ منصور على النّيابة عن مفعول مطلق لفعل ﴿ تغلوا ﴾ أي غلوّاً غير الحقّ، وغير الحقّ هو الباطل.
وعدل عن أن يقال باطلاً إلى ﴿ غيرَ الحق ﴾ لِما في وصف غير الحقّ من تشنيع الموصوف.
والمراد أنّه مخالف للحقّ المعروف فهو مذموم ؛ لأنّ الحقّ محمود فغيره مذموم.
وأريد أنّه مخالف للصّواب احترازاً عن الغلوّ الّذي لا ضير فيه، مثل المبالغة في الثّناء على العمل الصّالح من غير تجاوز لما يقتضيه الشرع.
وقد أشار إلى هذا قوله تعالى :﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ ﴾ في سورة النّساء ( ١٧١ ).
فمِن غُلوّ اليهود تجاوزُهم الحدّ في التّمسك بشرع التّوراة بعد رسالة عيسى ومحمد عليهما الصّلاة والسّلام.
ومن غلوّ النّصارى دعوى إلهيّة عيسى وتكذيبُهم محمداً.
ومن الغلوّ الّذي ليس باطلاً ما هو مثل الزّيادة في الوضوء على ثلاث غسلات فإنّه مكروه. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٥ صـ ﴾
قوله تعالى ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السبيل﴾

فصل


قال الفخر :
الأهواء هاهنا المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة.
قال الشعبي : ما ذكر الله لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه.
قال :﴿وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ [ ص : ٢٦ ] ﴿واتبع هَوَاهُ فتردى﴾ [ طه : ١٦ ] ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى﴾ [ النجم : ٣ ] ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ [ الجاثية : ٢٣ ] قال أبو عبيدة : لم نجد الهوى يوضع إلا في موضع الشر.
لا يقال : فلان يهوى الخير، إنما يقال : يريد الخير ويحبه.
وقال بعضهم : الهوى إله يعبد من دون الله.
وقيل : سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار، وأنشد في ذم الهوى :
إن الهوى لهو الهوان بعينه.. فإذا هويت فقد لقيت هوانا


الصفحة التالية
Icon