﴿ ذلك ﴾ أي اللعن المذكور، وإيثار الإشارة على الضمير للإشارة إلى كمال ظهوره وامتيازه عن نظائره وانتظامه بسببه في سلك الأمور المشاهدة، وما في ذلك من البعد للإيذان بكمال فظاعته وبعد درجته في الشناعة والهول ﴿ بِمَا عَصَواْ ﴾ أي بسبب عصيانهم، والجار متعلق بمحذوف وقع خبراً عن المبتدأ قبله، والجملة استئناف واقع موقع الجواب عما نشأ من الكلام، كأنه قيل : بأي سبب وقع ذلك؟ فقيل : ذلك اللعن الهائل الفظيع بسبب عصيانهم، وقوله تعالى :﴿ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴾ يحتمل أن يكون معطوفاً على ﴿ عَصَواْ ﴾ فيكون داخلاً في حيز السبب، أي وبسبب اعتدائهم المستمر، وينبىء عن إرادة الاستمرار الجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل.
وادعى الزمخشري إفادة الكلام حصر السبب فيما ذكر، أي بسبب ذلك لا غير، ولعله كما قيل استفيد من العدول عن الظاهر، وهو تعلق ﴿ بِمَا عَصَواْ ﴾ بلعن دون ذكر اسم الإشارة، فما جيء به استحقاراً لذلك اللعن وجواباً عن سؤال الموجب دل على أن مجموعه بهذا السبب لا بسبب آخر، وقيل : استفيد من السببية لأن المتبادر منها ما في ضمن السبب التام وهو يفيد ذلك، ولا يرد على الحصر أن كفرهم سبب أيضاً كما يشعر به أخذه في حيز الصلة لأن ما ذكر في حيز السببية هنا مشتمل على كفرهم أيضاً، ويحتمل أن يكون استئناف إخبار من الله تعالى بأنه كان شأنهم وأمرهم الاعتداء، وتجاوز الحد في العصيان. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٦ صـ ﴾
وقال ابن عاشور :
جملة ﴿ لُعن ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً فيها تخلّص بديع لتخصيص اليهود بالإنحاء عليهم دون النّصارى.
وهي خبريّة مناسبة لجملة ﴿ قد ضَلّوا من قبل ﴾ [ المائدة : ٧٧ ]، تتنزّل منها منزلة الدّليل، لأنّ فيها استدلالاً على اليهود بما في كتبهم وبما في كتب النّصارى.
والمقصود إثبات أنّ الضّلال مستمرّ فيهم فإنّ ما بين داوود وعيسى أكثرُ من ألف سنة.