وإذا نظرت مكاتبات النبي ﷺ للملوك ازددت بصيرة في صدق هذه الآية، فإنه ما كاتب نصرانياً إلا آمن، أو كان ليناً ولو لم يسلم كهرقل والمقوقس وهوذة بن علي وغيرهم، وغايتهم أنهم ضنوا بملكهم، وأما غير النصارى فإنهم كانوا على غاية الفظاظة ككسرى فإنه مزق كتابه ﷺ ولم يجز رسوله بشيء، وأما اليهود فكانوا جيران الأنصار ومواليهم وأحبابهم، ومع ذلك فأحوالهم في العداوة غاية، كما هو واضح في السير، مبين جداً في شرحي لنظمي للسيرة، وكان السر في ذلك - مع ما تقدم من باعث الزهد - أنه لما كان عيسى عليه السلام أقرب الأنبياء زمناً من زمن النبي ﷺ كان المنتمون إليه ولو كانوا كفرة أقرب الأمم مودة لاتباع النبي ﷺ، وإلى ذلك يشير ما رواه الشيخان في الفضائل عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال : أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، الأنبياء أولاد علات - وفي رواية : أبناء، وفي رواية : إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وليس بيني وبينه، وفي رواية : وليس بيني وبين عيسى - نبي.
وفي رواية لمسلم :" أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة، قالوا : كيف يا رسول الله! قال : الأنبياء إخوة من علات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد، فليس بيننا نبي ". أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٢ صـ ٥٢٤ ـ ٥٢٥﴾


الصفحة التالية
Icon