وجوز أبو البقاء أن يكون في موضع الحال من من أو من ضمير الفاعل في ﴿ يَخَافُهُ ﴾ أي يخافه غائباً عن الخلق.
وقال غير واحد : العلم مجاز عن وقوع المعلوم وظهوره.
ومحصل المعنى ليتميز الخائف من عقابه الأخروي وهو غائب مترقب لقوة إيمانه فلا يتعرض للصيد من لا يخافه كذلك لضعف إيمانه فيقدم عليه، وقيل : إن هناك مضافاً محذوفاً، والتقدير ليعلم أولياء الله تعالى و( من ) على كل تقدير موصولة، واحتمال كونها إستفهامية أي ليعلم جواب من يخافه أي هذا الاستفهام بعيد.
وقرىء ( ليعلم ) من الإعلام على حذف المفعول الأول أي ليعلم الله عباده الخ، وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروعة. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٧ صـ ﴾
وقال ابن عاشور :
وقوله :﴿ لِيَعْلَمَ اللّهُ من يخافه بالغيب ﴾ علّة لقوله ﴿ ليبلونّكم ﴾ [ المائدة : ٩٤ ] لأنّ الابتلاء اختبار، فِعلّته أن يعلم الله مِنه من يخافه.
وجَعْل علم الله علّة للابتلاء إنّما هو على معنى ليظهر للناس من يخاف الله من كلّ من علم الله أنّه يخافه، فأطلق علم الله على لازِمه، وهو ظهور ذلك وتميّزه، لأنّ علم الله يلازمه التحقّق في الخارج إذ لا يكون علم الله إلاّ موافقاً لما في نفس الأمر، كما بينّاه غير مرّة ؛ أو أريد بقوله :﴿ ليعلم الله ﴾ التعلّق التنجيزي لعلم الله بفعل بعض المكلّفين، بناء على إثبات تعلّق تنجيزي لصفة العلم، وهو التحقيق الذي انفصل عليه عبد الحكيم في "الرسالة الخاقانية".
وقيل : أطلق العلم على تعلّقه بالمعلوم في الخارج، ويلزم أن يكون مراد هذا القائل أنّ هذا الإطلاق قصد منه التقريب لعموم أفهام المخاطبين.
وقال ابن العربي في القبس :"ليعلم الله مشاهدةً مَا علمه غيباً من امْتثال من امتثل واعتداء من اعتدى فإنّه، عالم الغيب والشهادة يعلم الغيبَ أوّلاً، ثم يَخلق المعدوم فيَعْلَمُه مشاهدة، يتغيّر المعلوم ولا يتغيّر العلم".


الصفحة التالية
Icon