و ﴿ ثم ﴾ في قوله :﴿ ثم أصبحوا بها كافرين ﴾ للترتيب الرتبي كشأنها في عطف الجمل فإنّها لا تفيد فيه تراخي الزمان وإنّما تفيد تراخي مضمون الجملة المعطوفة في تصوّر المتكلّم عن تصور مضمون الجملة المعطوف عليها، فتدلّ على أنّ الجملة المعطوفة لم يكن يُترقب حصول مضمونها حتى فاجأ المتكلم.
وقد مرّت الإشارة إلى ذلك عند قوله تعالى :﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ في سورة البقرة ( ٨٥ ).
والباء في قوله بها } يجوز أن تكون للسببية، فتتعلّق بِ ﴿ أصبحوا ﴾، أي كانت تلك المسائل سبباً في كفرهم، أي باعتبار ما حصل من جوابها، ويحتمل أن تكون "للتعدية" فتتعلّق بـ ﴿ كافرين ﴾، أي كفروا بها، أي بجوابها بأن لم يصدّقوا رسلهم فيما أجابوا به، وعلى هذا الوجه فتقديم المجرور على عامله مفيد للتخصيص، أي ما كفروا إلاّ بسببها، أي كانوا في منعة من الكفر لولا تلك المسائل، فقد كانوا كالباحث على حتفه بظلفه، فهو تخصيص ادّعائي، أو هو تقديم لمجرّد الاهتمام للتنبيه على التحذير منها.
وفعل ﴿ أصبحوا ﴾ مستعمل بمعنى صاروا، وهو في هذا الاستعمال مشعر بمصير عاجل لا تريّث فيه لأنّ الصباح أول أوقات الانتشار للأعمال.
والمراد بالقوم بعض الأمم التي كانت قبل الإسلام، سألوا مثل هذه المسائل، فلمّا أعطوا ما سألوا لم يؤمنوا، مثل ثمود، سألوا صالحاً آية، فلمّا أخرج لهم ناقة من الصخر عقروها، وهذا شأن أهل الضلالة متابعةُ الهوى فكلّ ما يأتيهم ممّا لا يوافق أهواءهم كذّبوا به، كما قال الله تعالى :﴿ وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم مُعرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين ﴾ [ النور : ٤٨، ٤٩ ]، وكما وقع لليهود في خبر إسلام عبد الله بن سَلام.
وقريب ممّا في هذه الآية ما قدّمناه عند تفسير قوله تعالى :﴿ قل من كان عدوّاً لجبريل ﴾ في سورة البقرة ( ٩٧ ).


الصفحة التالية
Icon