وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ ﴾ أي ليس له الهداية والتوفيق ولا الثواب، وإنما عليه البلاغ.
وفي هذا ردّ على القَدَرية كما تقدّم.
وأصل البلاغ البلوغ وهو الوصول.
بَلَغ يَبلغُ بُلوغاً، وأَبلَغه إبلاغاً، وتَبلَّغ تَبلُّغاً، وبَالغَه مبالغةً، وبَلَّغه تَبلِيغاً، ومنه البلاغة ؛ لأنها إيصال المعنى إلى النفس في حسن صورة من اللفظ.
وتَبالَغ الرجلُ إذا تعاطى البلاغة وليس ببليغ، وفي هذا بلاغٌ أي كفاية ؛ لأنه يبلغ مقدار الحاجة.
﴿ والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ ﴾ أي تظهرونه يُقال : بدا السِّرُّ وأبداه صاحبه يُبديه.
﴿ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ أي ما تسرونه وتخفونه في قلوبكم من الكفر والنفاق. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٦ صـ ﴾
وقال الآلوسى :
﴿ مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ ﴾ ولم يأل جهداً في تبليغكم ما أمرتم به فأي عذر لكم بعد.
وهذا تشديد في إيجاب القيام بما أمر به سبحانه.
والبلاغ اسم أقيم مقام المصدر كما أشير إليه ﴿ والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ فيعاملكم بما تستحقونه في ذلك. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٧ صـ ﴾
وقال ابن عاشور :
وجملة ﴿ ما على الرسول إلاّ البلاغ ﴾ معترضة ذيل بها التعريض بالوعيد والوعد.
ومضمونها إعذار الناس لأن الرسول قد بلّغ إليهم ما أراد الله منهم فلا عذر لهم في التقصير، والمنّة لله ولرسوله فيما أرشدهم إليه من خير.
والقصر ليس بحقيقي لأنّ على الرسول أموراً أخر غير البلاغ مثل التعبّد لله تعالى، والخروج إلى الجهاد، والتكاليف التي كلّفه الله بها مثل قيام الليل، فتعيّن أنّ معنى القصر : ما عليه إلاّالبلاغ، أي دون إلجائكم إلى الإيمان، فالقصر إضافي فلا ينافي أنّ على الرسول أشياء كثيرة.
والإتيان بحرف ( على ) دون ( اللام ) ونحوها مؤذن بأنّ المردود شيء يتوهّم أنّه لازم للرسول من حيث إنّه يدّعي الرسالة عن الله تعالى.
وقوله :﴿ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ﴾ عطف على جملة ﴿ اعلموا أنّ الله شديد العقاب ﴾.
وهي تتميم للتعريض بالوعيد والوعد تذكيراً بأنّه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم ظاهرها وباطنها.
وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي هنا لإفادة تقوّي الحكم وليس لإفادة التخصيص لنبُوّ المقام عن ذلك.
وذكر ﴿ ما تبدون ﴾ مقصود منه التعميم والشمول مع ﴿ ما تكتمون ﴾ وإلاّ فالغرض هو تعليمهم أنّ الله يعلم ما يسرّونه أمّا ما يبدونه، فلا يُظنّ أنّ الله لا يعلمه. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٥ صـ ﴾