ثم قال تعالى :﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث﴾ يعني أن الذي يكون خبيثاً في عالم الروحانيات، قد يكون طيباً في عالم الجسمانيات، ويكون كثير المقدار، وعظيم اللذة، إلا أنه مع كثرة مقداره ولذاذة متناوله وقرب وجدانه، سبب للحرمان من السعادات الباقية الأبدية السرمدية، التي إليها الإشارة بقوله ﴿والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ﴾ [ الكهف : ٤٦ ] وإذا كان الأمر كذلك فالخبيث ولو أعجبك كثرته، يمتنع أن يكون مساوياً للطيب الذي هو المعرفة والمحبة والطاعة والابتهاج بالسعادات الروحانية والكرامات الربا نية.
ولما ذكر تعالى هذه الترغيبات الكثيرة في الطاعة، والتحذيرات من المعصية، أتبعها بوجه آخر يؤكدها، فقال تعالى :﴿فاتقوا الله يا أولى الألباب لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي فاتقوا الله بعد هذه البيانات الجلية، والتعريفات القوية، ولا تقدموا على مخالفته لعلّكم تصيرون فائزين بالمطالب الدنيوية والدينية العاجلة والآجلة. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٢ صـ ٨٦﴾
وقال السمرقندى :
قوله تعالى :﴿ قُل لاَّ يَسْتَوِى الخبيث والطيب ﴾ يعني : لا يستوي الحلال والحرام.
قال في رواية الكلبي : نزلت في شأن حَجَّاج اليمامة شريح بن ضبيعة حين أراد المسلمون أخذ ماله، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأخبرهم أن أخذ ماله حرام.
﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث ﴾ يعني : كثره مال شريح بن ضبيعة ﴿ واتقوا الله ﴾ لا تستحلوا ما حرم الله عليكم ﴿ واتقون يأُوْلِي الالباب ﴾ يا ذوي العقول ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ يعني : تأمنون من عذابه.
وروى أسباط عن السدي أنه قال :﴿ الخبيث ﴾ هم المشركون ﴿ والطيب ﴾ هم المؤمنون.
وقال الضحاك :﴿ لاَّ يَسْتَوِى الخبيث والطيب ﴾ يعني : صدقة من حرام لا تصعد إلى الله تعالى، لا توضع في خزائنه.
وصدقة من حلال تقع في يد الرحمن يعني : يقبلها.
﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ﴾ يعني : مثقال حبة من صدقة الحلال أرجح عند الله من جبال الدنيا من الحرام. أ هـ ﴿بحر العلوم حـ ١ صـ ﴾


الصفحة التالية
Icon