وتقدم الكلام في دخولها على الأمر، والتعرض لعنوان الرسالة للتنبيه على كيفية الإيمان به عليه الصلاة والسلام والرمز إلى عدم إخراجه عليه الصلاة والسلام عن حده حطاً ورفعاً ﴿ قَالُواْ ءامَنَّا ﴾ طبق ما أمرنا به ﴿ واشهد بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ مخلصون في إيماننا أو منقادون لما أمرنا به. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٧ صـ ﴾
وقال ابن عاشور :
﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ يجوز أن يكون عطفاً على جملة ﴿ إذْ أيَّدتك بروح القدس ﴾ [ المائدة : ١١٠ ]، فيكون من جملة ما يقوله الله لعيسى يوم يجمع الرسل.
فإنّ إيمان الحواريّين نعمة على عيسى إذ لو لم يؤمنوا به لما وجد من يتّبع دينه فلا يحصل له الثواب المتجدّد بتجدد اهتداء الأجيال بدينه إلى أن جاء نسخه بالإسلام.
والمراد بالوحي إلى الحواريّين إلهامهم عند سماع دعوة عيسى للمبادرة بتصديقه، فليس المراد بالوحي الذي به دعاهم عيسى.
ويجوز أن يكون الوحيَ الذي أوحي به إلى عيسى ليدعو بني إسرائيل إلى دينه.
وخُصّ الحواريّون به هنا تنويهاً بهم حتّى كأنّ الوحي بالدعوة لم يكن إلاّ لأجلهم، لأنّ ذلك حصل لجميع بني إسرائيل فكفر أكثرهم على نحو قوله تعالى :﴿ كما قال عيسى ابنُ مريم للحواريّين من أنصاري إلى الله قالَ الحواريّون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة ﴾ [ الصف : ١٤ ] ؛ فكان الحواريّون سابقين إلى الإيمان لم يتردّدوا في صدق عيسى.
و﴿ أنْ ﴾ تفسيرية للوحي الذي ألقاه الله في قلوب الحواريّين.
وفَصْل جملة ﴿ قالوا آمنَّا ﴾ لأنّها جوابُ ما فيه معنى القول، وهو "أوحينا"، على طريقة الفصل في المحاورة كما تقدّم في سورة البقرة، وهو قول نفسي حصل حين ألقى الله في قلوبهم تصديق عيسى فكأنّه خاطبهم فأجابوه.
والخطاب في قولهم :﴿ واشهَدْ ﴾ لله تعالى وإنّما قالوا ذلك بكلام نفسي من لغتهم، فحكى الله معناه بما يؤدّيه قوله :﴿ واشهد بأنّنا مسلمون ﴾.
وسمّى إيمانهم إسلاماً لأنّه كان تصديقاً راسخاً قد ارتفعوا به عن مرتبة إيمان عامّة من آمن بالمسيح غيرهم، فكانوا مماثلين لإيمان عيسى، وهو إيمان الأنبياء والصدّيقيين، وقد قدّمت بيانه في تفسير قوله تعالى :﴿ ولكن كان حنفياً مسلماً ﴾ في سورة آل عمران ( ٦٧ )، وفي تفسير قوله ﴿ فلا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون ﴾ في سورة البقرة ( ١٣٢ ) فارجع إليه. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٥ صـ ﴾


الصفحة التالية
Icon