وَجُمْلَةُ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ تَشْهَدُ لِنَفْسِهَا أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى لَا مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْعَرَبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْكُتُبِ، عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْآيَاتِ لَيْسَتْ مُوَافِقَةً لَهَا وَلَهُمْ مُوَافَقَةَ النَّاقِلِ لِلْمَنْقُولِ عَنْهُ، وَإِنَّمَا هِيَ فَوْقَ ذَلِكَ تَحْكُمُ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ وَفِيهِمْ وَفِي كُتُبِهِمْ حُكْمَ الْمُهَيْمِنِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ
أَحْكَامُ السُّورَةِ الْخَاصَّةِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ :
لَوْ كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ مِنْ وَضْعِ الْبَشَرِ لَشَرَعَ مُعَامَلَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمَوْصُوفِينَ بِمَا ذَكَرَ وَلَا سِيَّمَا الَّذِينَ نَاصَبُوا الْإِسْلَامَ بِالْعَدَاءِ عِنْدَ ظُهُورِهِ بِأَشَدِّ الْأَحْكَامِ وَأَقْسَاهَا. وَلَكِنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، أَمَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، بِمُعَامَلَتِهِمْ بِالْعَدْلِ، وَالْحُكْمِ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ، وَحَكَمَ بِحِلِّ مُؤَاكَلَتِهِمْ، وَتَزَوُّجِ نِسَائِهِمْ، وَقَبُولِ شَهَادَتِهِمْ، وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنْهُمْ، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ الَّتِي شَرَعَتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ الْفُضْلَى لَهُمْ نَزَلَتْ بَعْدَ إِظْهَارِ الْيَهُودِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ مُنْتَهَى الْعَدَاوَةِ وَالْغَدْرِ، وَبَعْدَ أَنْ نَاصَبُوهُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ الْحَرْبَ، وَهِيَ تَتَضَمَّنُ تَأْلِيفَ قُلُوبِهِمْ، وَاكْتِسَابَ مَوَدَّتِهِمْ [رَاجِعْ ص ١٦١، ١٦٢ ج ٦ ط الْهَيْئَةِ].
وَقَدْ خَتَمَ اللهُ تَعَالَى السُّورَةَ بِذِكْرِ الْجَزَاءِ فِي الْآخِرَةِ بِمَا يُنَاسِبُ أَحْكَامَهَا كُلَّهَا،
كَمَا بَيَّنَاهُ فِي تَفْسِيرِ آخِرِ آيَةٍ مِنْهَا.