وفي هذا كما قيل تحذير لأهل البداية عن كثرة سؤالهم من الكاملين عن أسرار الغيب وإرشاد لهم إلى الصحبة مع التسليم ﴿ يا أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ ﴾ الجامع للظاهر والباطن المتضمن لما سئلتم عنه ﴿ تُبْدَ لَكُمْ ﴾ [ المائدة : ١٠١ ] بواسطته ﴿ مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ ﴾ وهي النفس التي شقت أذنها لسماع المخالفات ﴿ وَلاَ سَآئِبَةٍ ﴾ وهي النفس المطلقة العنان السارحة في رياض الشهوات ﴿ وَلاَ وَصِيلَةٍ ﴾ وهي النفس التي وصلت حبال آمالها بعضاً ببعض فسوفت التوبة والاستعداد للآخرة ﴿ وَلاَ حَامٍ ﴾ [ المائدة : ١٠٣ ] وهو من اشتغل حيناً بالطاعة ولم يفتح له باب الوصول فوسوس إليه الشيطان، وقال : يكفيك ما فعلت وليس وراء ما أنت فيه شيء فارح نفسك فحمى نفسه عن تحمل مشاق المجاهدات.
ونقل النيسابوري عن الشيخ نجم الدين المعروف بداية أن البحيرة إشارة إلى الحيدرية والقنلدرية يثقبون آذانهم ويجعلون فيها حلق الحديد ويتركون الشريعة، والسائبة إشارة إلى الذين يضربون في الأرض خالعين العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة، والوصيلة إشارة إلى أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد، والحام إشارة إلى المغرور بالله عز وجل يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفة الشريعة، ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله ﴾ من الأحكام ﴿ وَإِلَى الرسول ﴾ لمتابعته ﴿ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا ﴾ من الأفعال التي عاشوا بها وماتوا عليها ﴿ أَوْ لَّوْ كَانَ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ ﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴾ [ المائدة : ١٠٤ ] إلى الحقيقة.