يرضيه أدنى حظ من حظوظها له شأن وإن كانت أعمالهما في الصورة واحدة وقد تكون أعمال الملتفت إلى الحظوظ أكثر وأشق وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وقد اختلف أرباب هذا الشأن في مسألة وهي: هل للرضى حد ينتهي إليه فقال أبو سليمان الداراني: ثلاث مقامات لا حد لها: الزهد والورع والرضى وخالفه سليمان ابنه وكان عارفاحتى إن من الناس من كان يقدمه على أبيه فقال: بل من تورع في كل شيء: فقد بلغ حد الورع ومن زهد في غير الله: فقد بلغ حد الزهد ومن رضي عن الله في كل شيء: فقد بلغ حد الرضى
وقد اختلفوا في مسألة تتعلق بذلك وهي: أهل مقامات ثلاثة أحدهم: يحب الموت شوقا إلى الله ولقائه والثاني: يحب البقاء للخدمة والتقرب وقال الثالث: لا أختار بل أرضى بما يختار لي مولاي إن شاء أحياني وإن شاء أماتني فتحاكموا إلى بعض العارفين فقال: صاحب الرضى أفضلهم لأنه أقلهم فضولا وأقربهم إلى السلامة ولا ريب أن مقام الرضى فوق مقام الشوق والزهد في الدنيا بقي النظر في مقامي الآخرين: أيهما أعلى فرجحت طائفة مقام من أحب الموت لأنه فى مقام الشوق إلى لقاء الله ومحبة لقائه ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ورجحت طائفة مقام مريد البقاء لتنفيذ أوامر الرب تعالى واحتجوا بأن الأول محب لحظه من الله وهذا محب لمراد الله منه لم يشبع منه ولم يقض منه وطرا قالوا: وهذا حال موسى صلوات الله وسلامه عليه حين لطم وجه ملك الموت
ففقأ عينه لا محبة للدنيا ولكن لينفذ أوامر ربه ومراضيه في الناس فكأنه قال: أنت عبده وأنا عبده وأنت في طاعته وأنا في طاعته وتنفيذ أوامره